شريعة حمورابي

شريعة حمورابي، التشريع وحضارة بلاد ما بين النهرين، من هو حمورابي، بماذا تمتاز شريعة حمورابي عن غيرها، مسلة البازلت التي نقشت عليها قوانين حمورابي، خاتمة مدونة

  • 472 مشاهدة
  • Dec 30,2021 تاريخ النشر
  • الكاتب طارق منير ناصر الدين
  • ( تعليق)
شريعة حمورابي

شريعة حمورابي

التشريع، وحضارة بلاد ما بينَ النهرين

 

عاشَ الإنسان قروناً تحتَ وطأة العُرف والتقليد البدائيين قبل أن يعرفَ الكتابةَ والتدوين، وحينَ راحت يراعهُ تتقنُ الكتابة صارَ بالتدوين يخط حضارته الناشئة، وخاصَّةً حينما بدأَ يعيشُ تحت نظامِ المَمالكِ، والمدنِ، والدويلات، وفي ظلِّ فجر السلالات، ونظام المُدن وما أفرزت لنا من شرائع عِدَّة لتنظيم الحياة للبشر، ولنُنصف التاريخ في حضارةِ وادي الرافدين؛ علينا أن نقولَ أنَّ بلادَ بابلَ هي أرضُ الشرائعِ القديمة، ومنها عَرفتِ البشريَّة نِظام الشرائع والقوانين، فمن شريعةِ "أورنومو" شريعة الملك السومري مؤسِّس سُلالة أور الثالثة، وهي شريعة تتألَّف من 31 مادَّة، تدورُ حولَ الزواجِ والطلاق، والقتل والعبيد، والقسمة والزِّراعة، وقد نصَّت على تعويضٍ قانونيٍ عن إلحاقِ الضَّرر بجسد الغير.

ثُمَّ نجدُ شريعةَ "بالالاما - لبيت عشتار"، ففي الحقبة نفسها لشريعة "أورنومو"، ظهر قانون "لبيت عشتار" ملك آيسن، والذي يعبِّر عن المؤسسات الساميَّة، ويضم القانون الأوَّل الذي صيغ حوالي (1930 ق.م)، ستِّينَ مادَّة تتناولُ حقَّ الأمومةَ، والقرضَ، والوديعةَ، والإيجارِ والبيعِ، وهوَ كغيرهِ يخصِّص حيِّزاً كبيراً للعقوبات.

وهُناكَ شريعة "إيشنونا"، وشريعة أوركاجينا، كُلَّ هذه الشَّرائع التي سبقت شريعة حمورابي موضوع بحثنا ومقالنا، فمن هوَ حمورابي؟ وما هي شريعته؟ ولماذا أخَذت هذه الشُّهرة عنوةً عن باقي الشرائعِ التي عاصرتها أو سبقتها، أو تقدَّمت عليها؟ لنرى ذلك سويَّاً عزيزي القارئ.

 

مَن هوَ حمورابي؟

 

هوَ الملكُ حَمورابي بن "سين موباليط" بن "آبل سين" بن "ساجوم" بن "سومولاييل" من عشيرة "أمنانوم" إحدى عشائر قبيلة (بني اليَمينْ)، وهوَ سادسُ ملوكِ سُلالةِ بابلِ الأولى، والذين حكموا بلادَ وادي الرافدين، وَرِثَ العرشَ من أبيهِ، ودام حُكمهُ حوالي إثنين وأربعون عاماً.

تمكَّن الملك حمورابي من القضاء على جميع دويلات المدن التي تقاسمت العراق بعد سقوطِ سُلالةِ أور الثالثة، فحمورابي ليس ملكاً لبابل فقط، بل يُعتبر موحِّد بلاد الرَّافدين والعراق القديم، كما أنَّه بسط سُلطانه على بلاد عيلام في فارس، وبلاد الشام، حتّى وصل لسواحل البحر المتوسط، كما أنَّه قام بتوحيد النظام السياسي والاجتماعي، وحتَّى الاقتصادي، والقوانينِ التي كانت سائدةً في الدويلاتِ المُختلفة التي تقاسمت بلاد ما بين النهرين، وطبعها بطابعِ الدولةِ البابليَّةِ الجديدةَ، وأعطى اللغة الأكاديَّة صفة اللغة الرسميَّة للبلاد، وجعل لها جيشاً قويَّاً، واقتصاداً متيناً، وكان لهُ ما أراد- حين أرادها دولةً عادلة، فالكل له حقوقٌ وعليه واجبات تجاه الدَّولة والمُجتمع، فأسَّسَ بِذلكَ عقداً اجتماعيَّاً ظلَّ لعصورٍ من الزَّمنِ قدوةً لدولِ المنطقة، وبلادِ العراق القديم، وحين قلت كشريعة متكاملة؛ كُنتُ أقصد أنَّ هُناك شرائع سبقت شريعة حمورابي بوقتٍ ليس بعيد زمنيَّاً، ويُمكن أن نتوقع أنَّ حمورابي استمدَّ الكثير من شرائعه من هذه النصوص، وخصوصاً أنَّ جميعها خرجت من بلاد الرَّافدين، حيث يُمكن اعتبار بلاد بابل وآشور أرض السومريين العريقة؛ أرض الشرائع التي أعطتِ المنطقة لقرونٍ من الزَّمن القانون  والتنظيم.

 ويُمكن القولُ أنَّ قانونه الذي أصدره في آخرِ حُكمهِ؛ إنَّما هوَ ترجمةٌ فعليَّةَ للسياسة التي تبعها في توحيد بلاد الرَّافدين، وخلقِ إمبراطوريَّة عظيمةَ تستمد قوَّتها من قوَّةِ قانونها، وأدَّى التوحيدُ الى ظهورِ ديانة عامَّة واحدة هي ديانة بابل، والتي تدين  بالطَّاعة "لآلهةِ العراق الموحِّدة"، ولتحلَّ محل آلهة الدويلات، ولم يكتفِ بتجميعِ التقاليد والأعراف التي كانت سائدةً قبل عهده، وإنَّما قام بدورِ المُصلحِ الاجتماعي، إلى جانب دورِهِ كمشرِّعٍ وملك، وتَصدّى لوضعِ حلولٍ جديدةَ تتفق والتطوُّرِ الاجتماعي والاقتصادي في عصرهِ، مع تنمية كل الفروعِ التي تحتاجها الدَّولة للبقاء؛ من القانون إلى العسكر، إلى الزِّراعة والثقافة والتعليم، كذلكَ قامَ بتصميمِ بعضِ القواعدِ العُرفيَّة والوضعية، وخصوصاً في المسائل التي كان العرف غامضاً بشأنها.

 

بِمَاذا تَمتازُ شَريعة حمورابي عن غيرها؟

 

نُلاحظُ بشريعة حمورابي النزعة المدنيَّة والعلمانيَّة كمنطق حداثوي؛ بمعنى فصل الدِّين عن الدولة، ونحن نعلمُ أن التشريع الدِّيني كان هوَّة المحرِّكَ الأوحد في الحضاراتِ القديمةِ من خلالِ الملكِ الذي يَدّعي "أنَّه الرَّب فيُعبد" كالفراعنة، أو نصف إله ونصف بشر كالحضارة الإغريقيَّة والأكاديَّة كما في بلاد ما بين النَّهرين، أو ملك وأمير يستمد الحكمة والمُلك باسم الآلهة السَّائدة في كلّ حضارة، ولكن الأمر يختلف عند شريعة حمورابي، والتي تُعتبر قفزة نوعيَّةً نحو اعتماد القانون الوضعي، بعيداً عن تحكُّم الآلهةِ، فبشريعة حمورابي الدِّين له مكانتهُ، وأوصى به الإله "شمش" إلى حمورابي القاضي للسَّماء، ومع ذلك فإنَّ نصوص القانون لم تحفل أبداً بالآلهة على الرغم من تمجيدها، فجاءت بمجموعة من القواعد البعيدة عن الصيغ الدينيَّة، وقد كان واضحاً وحازماً وجازماً، فما يُريد من شريعتهِ الجديدة فنراهُ في مقدِّمتها يقول، وهذا اقتباسٌ حرفي لحمورابي:

"لقد دعتني الآلهةُ أنا حمورابي، الأميرُ النَّبيل الذي يحترمُ الآلهةَ، ويشيدُ العدالةَ، ويقضي على الظُّلمِ والأشرار، ولا يُجيزُ للأقوياءِ أن يَعتدوا على الضُّعفاء؛ إنِّي أتيتُ كَي أنشُرَ العدالةَ بين النَّاسِ كما تنشرُ الشَّمسُ ضياءها على الأرض، أرسلني الإلهُ مُردوخ لأحكُمَ بين النَّاسِ وأحمي الأرض، لذلكَ وضعتُ القوانين، ونشرتُ العدالةَ بينهم، وهيأتُ لهمُ الخيرَ والسَّعادة، فلا يجوزُ للقويِ أن يعتدي على الضعيفِ، كما أنَّهُ يجب حِمايةَ الأراملِ والأيتام، ليتقدَّم مِنِّي المظلومُ لأُنصِفه، وليَقُل ما هوَ مكتوبٌ على مثلي ويتفهَّمه، ويعرفَ حقوقه، ويشعر بالسَّعادة، لِيقُل كُلُّ مظلومٍ أنّ حمورابي سيدٌ وأبٌ لعمومِ رعيَّتهِ".

 لذا فإنَّ قانون حمورابي اختلف كُليَّاً عن القوانين الدينيَّة، ليس فقط في العراق، وإنَّما في الشَّرق كُلِّه، وحتَّى لا أبالغَ إذا قلت أنَّهُ تفوَّقَ على أحدثِ الشَّرائعِ الحديثة المُتبعةَ في أكثرِ الدولِ حداثةً في عالمنا المُعاصر،  فبلغت شريعة حمورابي درجةً من التقدُّم قلَّما تتوافرُ في الكثيرِ من التشريعات الحديثة، فعلى سبيلِ المثال لا الحصر المادَّة (22) من شريعةِ حَمُورَابي تقول: "إذا لَمْ يُضبَطْ السَّارقُ، فإنَّ صاحبَ المتاعِ المسروقِ يقدِّمُ تفاصيلَ المسروقاتِ في حضرةِ الآلهةَ، وعندَئِذٍ تُعوِضهُ المدينةُ التي سُرِقَ فيها".

صعوبةُ اعتبارِ شريعةِ حمورابي تتضمن قواعدَ عامَّةَ مُجرَّدة كما في القوانين الحاليَّةِ، بل أنَّها تَناولت مَسائِلَ مُحدَّدة في الحياة، ابتداءً بتنظيم المهن، وقوانين تلزم التُجَّار بأسعار مُحدَّدة لحماية الشَّعب من طمع التُجَّار، إضافةً إلى تحديدِ حد أدنى للأجورِ والمعاشات، والمهندسين بقوانين بناءَ واضحةٍ تُعاقِبهم إذا تسبَّبَ المُهندسُ بخطأ أودى بحياة أحد سُكَّان البناءِ المتضرِّرِ من سوءِ العِمران، وقد وصلت العقوبة مع حمورابي للقول أنَّه إذا تسبَّب مهندسٌ بخطأ عِمراني وقُتلَ طِفل أحدِ العامَّة حين انهارَ المبنى؛ فيُعاقَب المهندسُ بقتلِ طفله عِقاباً لإهمالهِ، وإذا قُتِلَ رَبُّ المنزلِ؛ فانَّ المُهندس المعماري معرضٌ للموتْ حسب "المادَّة 229، والمادَّة 230 من قانون العقوبات المُتعلِّق بالمهندسين"، نعم قد نراه عقوبةً بربريَّة، حيث ما ذنب طفل المُهندس أو زوجتهُ ليُقتلا عِقاباً على خطأ المهندس، ولكن مع اعتراضنا القاطع على هكذا قانون، إلا أنَّها - ومن باب الطُّرفة سأقول - جعلت المهندس يحسب ألف حساب تفادياً لأي خطأ قد يُرتَكب، وجَعلت من مهندسي بابلَ أدقَّ المهندسين العمرانيين في بلادِ المشرق، ومع ذلك نجد في هذهِ الشريعة قوانينَ غير مُبرَّرةَ، مهما كان السببَ النبيلَ من ورائها.

ومن مميزاتِ قانون حمورابي، تلك المواد المُتعلِّقة بالعسكرين الذين يخدمون الدَّولة، فقيَّدهم بقيودٍ على ملكيَّتهم، وعدم نقلها لزوجاتهم، أو أولادهم طيلة فترة خدمتهم العسكريَّة للبلاد، وذلكَ منعاً لجمعِ الثروة غير المشروعة، وتطبيقاً لقانون من أين لك هذا في أيِّ وقت، ناهيك عن قوانينِ الزَّواجِ التي أعطت المرأةَ حقَّها في الطلاقِ التعسُّفي، وإعطائها حقَّها بالمسكنِ والنفقةِ، ومنعِ الزَّوج من  حرمانها من حقوقها بما يتعلَّق بالأطفال، ووضَّحَ الحالاتِ التي يُسمحُ فيها بتعدُّدِ الزَّوجات، مع عدم هجرِ الزَّوجةِ الأولى، ومن هذه الأسبابِ على سبيل المثال عدم الإنجاب، وعدم المُعاشرة الجيِّدة، أو الخيانة، ومع أنَّ حمورابي لم يكن ذاك المغيِّر الراديكالي في المجتمع الطبقي، ولنكن موضوعيين بالنَّظرِ لشريعتهِ التي قسَّمتِ المجتمعَ إلى ثلاث طبقاتٍ متفاوتة بالحقوقِ والواجباتِ والعقوبات، وهي ثلاث فئات اجتماعيَّة:

  • "الأويلوم"، الرَّجل بامتياز، أو البارز، وهي الطبقة النبيلة في المُجتمع.
  • "المشكنوم"، وهو الرَّجل العادي، وهي الطَّبقة المتوسِّطة في المُجتمع.
  • "الوردوم"، وهو العبد، وهي الطَّبقة المسحوقة في المُجتمع.

وتظهرُ الفروقُ بين هذه الفئاتِ الثلاث بوضوحٍ في الأحكامِ الجزائيَّةِ في القانون، ففي حالة الإصابة الجسديَّة، يُطبَّق القانون بعنفٍ وشِدَّةَ على الطبقاتِ الفقيرة، مع حفظِ بعضِ الحقوق للعبيد، لتكون الشَّريعة أكثر رحمةً من باقي الشَّرائع التي سبقتها، وحتّى التي ستلحق بها، ولكنَّنا نرى أنَّهُ قد وقعت على الطبقة الدُّنيا من المجتمع أقسى العقوبات، ورُغم التمييز الطبقي بين حقوق العبد والسيِّد، إلا أنَّنا نتحدَّث عن شريعة مضى عليها أكثر من ألفي عام قبل الميلاد، وبالتالي فإنَّنا لا ننتظر منه الغاء الطبقيَّة والعدالة الاجتماعيَّة الكاملة، ولكنَّه كان أكثر تقدميَّةً وإنسانيَّةً مع العبيد، مُقارنةً مع الحضارة اليونانيَّة التي كانت تستعبد العبد وزوجته وابنه حين يولد، ومنعه من تحصيل حُريَّته، وكذلك الفراعنة التي منعت على العبيد مُخالطة النُبلاء، فالعبد عندهم فقط للخدمة، أمَّا حمورابي أعطى العبدَ حقَّهُ بشراءِ حُريَّته بثمنٍ محدَّد، وأن يتزوَّجَ من حُرَّة، وإذا رُزِقَ بأطفالٍ فلا يُعتبرون عبيداً، حيثُ يُولد الأطفالُ أحراراً من أمٍّ حُرَّة، وهذا الخطوة نحو حقوق الإنسانِ تُحسب لحمورابي وشريعته.  

منَ الغريبِ الطريفْ بقوانينِ حمورابي ما يُسمَّى بـ(المحنة)، فأخذ قانون حمورابي بمبدأ المحنة، مثال: إذا اتَّهم رجلٌ رجُلاً آخر بالسِّحر، ولم يستطع إقامة الدَّليل؛ اختُبِرَ بامتحان النَّهر، حيث يرمي نفسه فيه، فإن غلبه النَّهر فالخصم يستولي على ضيعته، أمَّا إذا خرج وأظهر النَّهر أنَّه بريء، فأنَّ المُدَّعِي يُقتل، ويأخذ المُدَّعَى عليه ضيعته.

ممَّا تقدَّم يتبيَّن لنا أنَّ الرُقي الذي وصلت إليه بلاد ما بين النَّهرين لم تصل إليهِ أيَّة أُمَّة من الأممِ القديمةَ، ويبدو أنَّ سكَّان بلاد ما بين النهرين هم من أوجدوا الدَّولة وتقسيماتها الإداريَّة، وقاموا بمُهمَّة التنظيم العملي للإنتاج في المراحل الأولى، وما أدَّى إليه من تراكمٍ جعلَ الأرضيَّةَ مُهيأةً كذلك للانتقالِ من مرحلة الكهنة الى مرحلة الملوك الكهنة أمراً طبيعيَّاً، والانتقال لمرحلة القوانين الوضعيَّة التي فصلت الدَّولة عن سُلطه الكهنة والدِّين، وجعلت المعبد للعبادة فقط، وللدَّولة مسؤوليَّة إدارة البلاد والعباد، وهذا هو أرقى تجليَّات المُجتمع العِلماني في العصور الحديثة، فالاعتقاد السَّائد لدى النَّاسِ في تلكَ المرحلة؛ أنَّ النِّظامَ الذي شكَّله الكهنةَ هو نظامٌ سماويٌ على الأرض، وليس هم صنعه أو صاغه، وعليهم الطَّاعة لكُلِّ قانون، ولكلِّ عُرفٍ سنَّه الكهنة باسم السَّماء وآلهتها، فالقانونُ قائمٌ على أساسِ فكرة اعتماد الإيمان وليس المعرفة.

إنَّ التأثير الكبيرَ والهائل لحضاراتِ العراق القديمة التي نقلت النِّظامَ الثيوقراطي من مُربَّعِ الكهنة إلى مُربَّع الوضعيَّة في التشريع، يجعلنا نقفُ أمامَ تحولاتها فيما بعد الى لاهوت، ومن ثمَّ تنظيمها كدولة، لذا فإنَّ تلك الحضاراتِ ساهمت في التطوُّر التاريخي، والجدليَّة العلميَّة في تغيُّر النظرة للحُكم والسياسة والعبادة،  ليس للعراق فحسب بل للعالم القديم والحديث.

ولعلَّ النكسة التي أخَّرت الشَّرق في مجال التطوُّر العلماني ونُظُم الحُكم، هو العودة بعدَ حمورابي إلى استخدام القوانين ذاتِ الصِّبغة الإلهيَّة على الحياة الوضعيَّة، وإعطَاءِ القانونِ صفةَ القُدسيَّة، مِمَّا أخَّرَ تطويرهُ وتحديثهِ، وهذا ما أخَّر تَقدُّم هذه الأممِ المشرقيَّةِ، فالتطوُّر القانوني يحكم سيرورة التطوُّر المعرفي، والبُنيةَ الفوقيَّة من أفكار وعادات وتقاليد وأحكام؛ تخلقُ بنيةً تحتيَّة تعمل على تأسيسٍ سيسيولوجي تطوُّري يدخلُ في التربية والعمل والزِّراعة، والكذب والصِّدق، والزَّواج والخيانة، وكُل ما هو وضعي وإنساني سلوكيَّاً.

 

بعض المعلومات عن مِسلَّة البازلت التي نُقِشَت عليها قوانين حمورابي

 

في الحقيقةَ، هُناك اختلافٌ عند المصادرِ التي تقول أين وُجِدت المنحوتة التشريعيَّة لحمورابي، فالبعضُ يقول بأنّه وجدتها البعثة الفرنسية قرب "معبد سيبار" قرب بغداد في العراق، ومصادر أُحرى تتحدَّث بأنَّ العامود الذي كُتبت عليه شريعة حمورابي تمَّ نقله من بابل إلى عيلام، ولقد اكتُشفت الشاهدة البازلتيةَ لشريعةِ حمورابي في منطقة "سوسا" بمحافظة خوزستان حاليَّاً بإيران، أثناء أعمال البعثة الفرنسيَّة المختصَّة بالتنقيب عن آثار بابل عام 1901، من قبلِ عالمِ الآثارِ المصريَّة "جوستافو جيكوير"، السويسري الأصل.

وقد نتساءل: كيف وصلت الشَّاهدة لإيران؟

والجواب أنَّه تمَّ نقلها لإيران على يد ملكِ العيلاميين (شوتروك ناخونته)، كغنيمة حرب في السَّنة الثانية عشر قبل الميلاد، حين احتلَّ بلاد بابل، وقد أخذها وحاول أن يُغيِّر في بعض النقوش والقوانين، ولكنَّه فشل بذلك، ولم يستطع أن يُسجِّل حتى اسمه على المِسلّة بسبب اللعنات التي كُتِبَت على الشَّاهدة من قبل "الإله شمش"، منعاً لسرقة القوانين، أو تشويهها، أو تحريفها، حيث عمد حمورابي على كتابةِ تِلكَ الدعوات الإلهيَّة للعنة من لا يعمل بتلك القوانينِ، أو يشطُبها أو يُحرِّفها، ولذلكَ لم يستطع أحد أن يُقحِم اسمهُ على الشَّاهدةِ؛ لكي لا يُغضِبَ الآلهة والشُّعوب في تلك المنطقة.

ويُعرض العامود الآن في مُتحف اللوفر في باريس فرنسا، في أعلى الشَّاهدة البازلتيَّة نرى تِمثالاً يُمثِّل حمورابي وهو يقف أمام شمش إله الشَّمس، وسيِّد العدل، يقف أمامه بخشوعٍ وهو يأخذ منه الحكمة، ويُبارك له حُكمه.

رُقِّمتِ البنود من ( المادَّة رقم 1، إلى المادَّة رقم 282، مع الإشارة إلى أنَّ "المادَّة 13" و"المواد من 66 لـ 99، و110، و111 مفقودة") على عامودٍ طولهُ ثمانية أقدام، والمكوَّن من حجر البازلت، وهو على شكل مخروطٍ غير مُنتظم، بارتفاع 2.25 متر، وعرض 70 سم، وسماكة حوالي 47 سم.

تمَّ شطبُ حوالي أربعين قانوناً من قبل ملكِ العيلامين "تشو تروك"، وتمكنت البِعثاتِ المنقِّبة من استعادة ثلاثةَ نُسخٍ من المدوِّنة، حيث تمَّ العثور على هذه الحُطام النفيس في نينوى، وهي محفوظة في المتحفِ البريطاني.

بينما كُتبت المقدِّمة والخاتمة، اللتان تمجِّدان عناية الملكِ بشعوبهِ بلغةٍ قديمةٍ كتبها حمورابي بنفسه، فإنَّ القوانين التشريعيَّة الـ 282 المتبقية مكتوبةً بلغةٍ واضحة لا تستخدمُ المصطلحات المتخصِّصة، وإنَّما كانت مُبسَّطةً للعامة، ومفهومة لكُلِّ الثقافاتِ القاطنة بمملكة بابل، فبعيداً عن تكوين نص مُنظَّم منطقيَّاً، مثل رمزٍ قانوني أكاديمي بالمعنى الحديث للمصطلح، يتم تقديمُ شريعةِ حمورابي كمجموعةٍ من الجمل المختلفة التي تخص مواضيع مُحدَّدة لفعلٍ مُحدَّد، وليس عُرفٍ عام، ولا يُمكن القول أنَّ  مُطلق المواد في شريعته خاصَّة لفعلٍ وعقابٍ له منظمٍ لحركتهِ، فهُناك قوانينَ عامَّةَ خُصِّصت للزواج والميراث والمهن، كنوعٍ من الفهرسِ الذي ينوي مؤلِّفَهُ توريثه لخلفائه، والشُّعوبِ التي تليه، وتمَّ تَجميعَها حولَ موضوعاتٍ كبيرةٍ مرتّبةً بشكلٍ مُربك بعض الشيء، ولكن تتم من خلالِ ارتباط الأفكار مع مواضيع مُحدَّدة، مثل السَّرقةِ، والعمل، والتجارة، والزَّواج، والطلاق، والإصابة الجسديَّة للشخص، ومعدَّلات الأجور، وشِراء العبيد، وما إلى ذلك.

يميِّز القانونُ ثلاث فئاتٍ اجتماعيَّة في السكان:

 "الأويلوم"، "الوردوم"، "المشكنوم"، وتحدَّثت سابقاً في مقالتي عن التفاوت بالعقوبة بين الفئات الثلاث، ومع ذلك فإنَّ القوانين المتعلِّقة بالأسرة تشهد على الرَّغبة في حماية النِّساء والأطفال من الهجر والفقر والعنف، ويعترف قانون بلاد ما بين النَّهرين بالظُّروف المُخفَّفة، حتَّى لو كان الثقل غير العادي للعقوبات الماليَّة والبدنية يستدعي اعتبارها تدابير رادعة.

 

خاتمة مدونة حمورابي

 

أنهى حمورابي شريعته كما بدأها بنصٍ جماهيريٍ يُخاطبُ فيه العامَّةَ، وشعوبَ بلاد الرافدين قائلاً:

"إنّ الشَّرائعَ التي رفعَ منارها الملك الحكيمُ حمورابي؛ وجِدَتْ حتَّى لا يَظلمْ الأقوياء الضُعَفاء، وحتَّى ينالَ العدالة اليتيم والأرملة، ولَعلّ الملكَ الذي يكون في الأرضِ فيما بعدْ أن يَرعى ألفاظ العدالة التي نقشتها على أثري"، الملك العادل حمورابي.

 فكما في مُقدِّمة شريعته وقوانينها كان حمورابي حازماً جازماً حاسماً بأن يُطبِّق العدالة، وأن يسري القانون على الجميع، نستشف من الخاتمة بأنَّ نص شريعته فيها، والإشارةِ إلى القوانينِ العادلة التي وضعها، وإلى صفات حمورابي الحكيمةِ، وجهوده في مُحاربةِ الظُّلمِ، ونشرِ العدلِ والسَّلامْ، كما نَرى، ووصيَّتهُ لِمن يأتِ بَعدهُ بتطبيقِ قوانينه لِما تتسمُ بهِ من حِكمة، وتَحذيراته لِمن تُسَوِّلُ لهُ نفسهُ بتحريفِ أو تشويهِ النُّصوصِ القانونيَّة.

وقد كان لحمورابي ما أرادهُ، فخلَّدهُ تشريعه أكثرَ مِمَّا خلَّدتهِ فتوحاتهِ العظيمة التي وحَّد فيها أرض الفُرات وبلاد الشام طيلة فترة حُكمة وما بعدها، وخُلِّدَ اسمُ حَمورابي في التَّاريخِ القديمِ والحديث؛ كأبٍ للشَّرائعِ والقانون، ورمزاً عبر العصورِ للملك الحكيم العادل.

 قد تختلف مع حمورابي أو قد توافقهُ عزيزيَ القارئ، ولكن لا يُمكنكَ تجاهُل الأثر الكبيرِ الذي تركتهُ شريعته، والتي كانت مُلهمةً لآلاف المُشرِّعين من بعده، ولكثيرٍ من الحضارات التي اتَّبعت قوانينه، أو أخذت بها، ولعددٍ لا يُستهان به من الشَّرائع المستوحاة.

إنَّ حمورابي سيبقى عبر التَّاريخ كمعنى اسمهِ "المُعتلي" على ناصية المجد، يدوِّنه التَّاريخ كملكٍ عظيم، موحِّد العراق القديم، ومؤسِّس الإمبراطوريِّة البابليَّة، وملك الزوايا الأربع كما كان يُلقَّب.

مقالات متعلقة في دراسات وابحاث