الممالك العربيّة الجنوبية في اليمن القديم

الممالك العربية الجنوبية في اليمن القديم، علم الآثار وعصور ما قبل التاريخ في اليمن، الحسابات الإسلامية لقحطان، بلقيس ملكة مملكة سبأ

  • 551 مشاهدة
  • Jul 07,2021 تاريخ النشر
  • الكاتب Ghada Halaiqa
  • ( تعليق)
الممالك العربيّة الجنوبية في اليمن القديم

الممالك العربيّة الجنوبية في اليمن القديم/ ج1

 

يُعتبر التاريخ اليمني القديم - المنطقة الواقعة جنوبي الجزيرة العربيَّة - ذا أهميَّةٍ خاصَّة، حيث تُعتبر اليمن واحدةً من أقدم المراكز الحضاريَّة في الشَّرق الأدنى، فقد ساعدت أراضيها الخصبة نسبيَّاً، وهطول الأمطار بشكلٍ الكافي، في تشكيل مُناخ رطب؛ ساهم إلى حدٍ كبير في الحفاظ على الاستقرار البشري وتأسيس الحضارات الشّهيرة على أرضها، وقد ذكر هذه الميِّزة الجُغرافي اليوناني بطليموس، الذي كان أوّل من وصف اليمن باسم (اليمن السّعيد).

تمكنت بلاد اليمن في الفترة الواقعة بين القرنين الثَّامن ق.م، والسَّادس الميلادي، من السَّيطرة على ست دولٍ رئيسيَّة؛ فربّما قد تنافست تلك الدول فيما بينها، أو كانت متحالفةً مع بعضها البعض، الأمر الذي مكّنها من السيطرة على تجارة التوابل المربحة، وهذه الممالك هي:

سبأ، ماعين، قطبان، حضرموت، مملكة أوسان، ومملكة حمير، ووصل الإسلام إليها عام 630م،  لتصبح اليمن بعدها جُزءاً لا يتجزأ من العالم الإسلامي.

تقع مراكز الممالك العربيَّة الجنوبيَّة القديمة في اليمن الحالي حول المنطقة الصحراويَّة التي تُسمّى (رملة السبعين أو السبعتين)، والتي تُعرف لدى الجُغرافيين العرب في العصور الوسطى باسم (الحي)، فقد كانت المُرتفعات الجنوبيَّة والغربيَّة، إضافةً للمنطقة الساحليَّة أقلّ نُفوذاً من النَّاحيةِ السياسيَّة، لكن من النَّاحيةِ التجاريّة، فقد كانت الأهميّة العالية من نصيب المدن الواقعة على السّاحل.

بصرف النظر عن أراضي اليمن الحديث، فقد امتدت الممالك اليمنيّة القديمة مروراً بعُمان، حتَّى واحة دادان العربيّة الشمالية، وتوسعت فشملت إثيوبيا،  وغطّت طول ساحل شرق إفريقيا، حتَّى وصلت إلى تنزانيا الحديثة.

 

علم الآثار، وعصور ما قبل التاريخ في اليمن

 

ما تزال الدِراسة المُتعلِّقة في عصور ما قبل التَّاريخ في الجزيرة العربيَّة في بدايتها، على الرَّغم من أنَّ المواقع الأثريّة المعروفة في المنطقة تعود إلى العصور الحجريَّةِ القديمة، حيث توجد مرفقات تلال وصخور مغليثيَّة تعود إلى العصر الحجريِّ الحديث، والذي جاء مُباشرةً قبل الممالك التاريخيَّة التي ظهرت تباعاً هناك،  في عام 2500ق.م، كان البداية لميلاد ثقافتين من العصر البرونزي، الأولى في شمال اليمن، والثَّانية من ساحِل المُحيط الهندي، وفي أواسط الألفيَّة الثانية ق.م، ظهرت أولى المراكز الحضريَّة المُهمَّة في المنطقةِ الساحليَّة، ومن ضمنها مواقع (صابر ومعليبة). 

حتَّى هذه اللحظة لم يتم توضيح ما إذا كانت الحضارة العربيَّة الجنوبيَّة القديمة، والتي قامت على ثرى اليمن، ما إذا كانت امتداداً مُباشراً للعصر البرونزي، أو كانت بدايتها عبارة عن مجموعات من النَّاس المتجولون باتجاه الجنوب، القادمون من فلسطين أو من شِمالي الجزيرة العربيَّة في بدايات العصر الحديدي.

 

البحوث الحديثة، والبحوث الحديثة المبكرة

 

تنتمي الدراسات السبئيَّة - وهي دراسة ثقافات جنوب الجزيرة العربيَّة القديمة - إلى الفروع الأحدث في عِلم الآثار، حيث ظلَّت جنوب شِبه الجزيرةِ العربيَّة القديمة في أوروبا غير معروفة لفترةٍ أطول بكثيرٍ من مناطق الشَّرق الأخرى، وفي عام 1504 تمكَّن الرحالة الإيطالي لودفيكو دي فارتيما، من المغامرة في داخل جنوب شبه الجزيرة، وقد ساهمت بعثتان دانماركيتان، ساهم فيها يوهان ديفيد ميكايليس (1717-1791) وكارستن نيبور (1733-1815) وآخرين،  في إجراء دراسة علميَّة متواضعة في المنطقة.

في النِّصف الأوَّل من القرن التاسع عشر للميلاد، أحضر رحَّالة من عدّة دولٍ أوروبيّة أكثر من مائة نقش، وقد وصلت هذه المرحلة من التَّحقيق ذروتها مع رحلات الرّحالة الفرنسي (جوزيف هاليفي) والنِّمساوي (إدوارد جلاسر)، واللذين قاما معاً بنسخ حوالي 2500 نقشاً، أو إعادتهما إلى أوروبا، وعلى أساس هذه المادَّة الكتابيَّة بدأ جلاسر وفريتز هوميل بشكلٍ خاص في تحليل اللغة والتَّاريخ العربي الجنوبي في اليمن القديم، وبعد الحرب العالميَّة الأولى، تمَّ إجراء الحفريَّات الأثريّة الأولى من نوعها في اليمن، ومن عام 1926 شارك سوريّون ومصريّون في أعمال البحث في جنوب شبه الجزيرة العربيَّة القديمة، وقد جلبت الحرب العالميَّة الثانية مرحلةً جديدة من الاهتمام العِلمي بالتاريخ اليمني القديم، فقد قامت المؤسَّسة الأمريكيّة للدراسات الإنسانيَّة التي أسَّسها ويندِل فيليبس في الفترة الواقعة بين عامي 1950-1952، بعمل حفريَّاتٍ واسعة النطاق في تُمنة ومنطقة مأرب ، ومنذ عام 1959، وبدأ (جيرالد لانكاستر هاردينغ) بعمل أوَّل قوائم جرد منهجيَّة للقطع الأثريَّة في محميَّة عدن البريطانيَّة في ذلك الوقت،. وفي هذه الأثناء كان (هيرمان فون ويسمان) مُشاركاً بشكلٍ خاص في دراسةِ تاريخ وجُغرافيا جنوبي شِبه الجزيرة العربيَّة قديماً، إضافةً إلى الحفريَّات الفرنسيَّة، والتي بدأت في الفترة الواقعة بين عامي 1975-1987 في منطقة شبوة، إضافةً للعديد من المواقع الأخرى، هذا وتجدر الإشارة بشكلٍ خاص إلى التحقيقات الإيطاليَّة فيما يخص الشواهد والبقايا من العصر الحجريِّ القديم، بالإضافة إلى ورشات العمل التي أقامها المعهد الأثريّ الألماني في منطقةِ مأرب.

 

المصادر المكتوبة

تُعتبر المادَّة التاريخيّة لجنوب شِبه الجزيرةِ العربيَّة القديمة قليلة نسبيّاً، بصرف النَّظر عن بعض الإشارات الواردة في المصادر الآشوريَّة والفارسيَّة والرومانيَّة، بالإضافة إلى العربيَّة، وكذلك الأمر بالنسبة للعهد القديم في الكتاب المُقدّس، والذي يعود بتاريخه إلى القرن الثَّامن ق.م، وحتّى العصر الإسلامي، حيثُ أنَّ النُّقوش العربيَّة الجنوبيَّة القديمة هي المصدر الرئيسي، ومع ذلك فإنَّ هذه البيانات قصيرةٌ إلى حدٍّ كبير، ونتيجةً لذلك فهي محدودة في المعلومات التي تُقدِّمها، أمّا الجزء السَّائِد من النُّقوش نشأ من سبأ، ومن مملكة سبأ الحميريّة التي تلتها، وأقلُّها جاء من مملكة أوسان، والتي كانت موجودةً فقط كدولةٍ مستقلَّة لفترةٍ قصيرة، فمُعظم النُّصوص الموجودة هي عبارة عن نقوشٍ أو إهداءات، ومن النَّادر العثور على نصوصٍ تاريخيَّة.

 

التسلسل الزّمني

 

على الرَّغم من ظهورِ مملكة سبأ بالفعل في المصادر الآشوريَّة في القرن الثَّامن ق.م، إلا أنَّ هذا المِعيار غيرُ كافٍ لتأريخ التاريخ المبكِّر لجنوب شِبه الجزيرة العربيَّة القديم، حيث أنَّ أوَّل حدثٍ موثوق تماماً، بدأ مع الحملة العسكريَّة (لإيليوس جالوس) عام 25 ق.م.

أمّا فيما يخص الفترات السَّابقة، فيجب تحديد التسلسل الزَّمني على أساس مُقارنة مُكتشفات جنوبي الجزيرةِ العربيَّةِ القديمة مع تلك المُكتشفات من عدّة مناطِق أخرى، وذلك من خِلال عِلم الحفريات القديمة، على أساس تسَلسُل الملوك المُعاد بناؤه، والتَّأريخ الكربوني الراديوي، وهنا تطوَّرت مدرستان فكريَّتان بشكلٍ أساسي:

  • التسلسل الزمني القصير  
  • التسلسل الزمني الطويل

وفي نِهاية القرن التَّاسع عشر، قام  (إدوارد جلاسر) و(فريتز هومل) بتأريخ بدايةِ الحضارةِ العربيَّة الجنوبيَّةِ القديمة، وصولاً إلى أواخر الألفيَّةِ الثانية قبل الميلاد، وهو تاريخٌ امتدَّ لسنواتٍ عديدة.

وفي عام 1955، نشرت (جاكلين بيريني) مُقارنةً بين الفن العربيّ القديم، والفنِّ اليوناني، وتوصَّلت إلى استنتاجٍ مفاده أنَّ الحضارةَ العربيَّة الجنوبيَّة قد تطوَّرت لأوَّل مرِّةٍ في القرن الخامس ق.م، متأثرين بهذا التطوّر من اليونانيين، كما دعَّمت هذا (التسلسُل الزَّمني القصير) الجديد عن طريق التحليل الباليوغرافي  لأشكالِ الحُروف العربيَّة الجنوبيَّةِ القديمة.

واستناداً إلى الحفريَّات الأمريكيَّة التي تمت في تمنة ومنطقة مأرب في الفترة الواقعة بين عامي 1951-1952، ظهر (تسلسل زمنيٌ وسيط) آخر في نفس الوقتِ تقريباً، والذي تمكّن من تحديد بداية (قتبان ومعون) في وقتٍ لاحق مِمَّا كان عليه في التسلسل الزَّمني الطَّويل، مستنداً على دِراسةِ نقشٍ صخريٍ في مأرب قام به جلاسر، و لوندين وهيرمان فون ويسمان، وأظهرت الدِّراسة إلى أنَّ بداية سبأ تعود إلى القرن الثاني عشر أو الثَّامن ق.م، وعلى الرَّغم من أن تفسيرهم هذا قد ثبت لاحقاً عدم صحته في جئيّاتٍ مُعيّنة، إلا أنَّ  التسلسل الزمني القصير، لم يتم إثباته بشكلٍ قاطع، وفي الآونةِ الأخيرة، تمَّ تقديم المزيد من الحُجج ضدَّه بسبب نتائج البحوث الأثريَّةِ الجديدة، كتلك التي أجراها الإيطاليّون والفرنسيُّون، فأصبح  التسَلسُل الزَّمني الطَّويل يجذب المزيد من المؤيِّدين، في الوقت ذاته، فإنَّ غالبيَّة الباحثين والخُبراء في الدِّراسات السبئيَّة مُلتزمون بالتسَلسُل الزَّمني الطَّويل.

 

الحسابات الإسلاميّة لقحطان (الألفيّة الثالثة ق.م – القرن الثّامن ق.م)

وِفقاً لِبعض الفرضيَّات، وبِناءً على الروايات التي قدَّمها المؤرِّخون العرب المُسلمون في العصور الوسطى، فقد اتَّحد الساميُّون في جنوبي شِبه الجَّزيرةِ العربيَّة في الألفيَّة الثالثة ق.م، تَحت قيادة قحطان، وبدأ القحطانيُّون ببناءِ سدودٍ وقنوات تُرابيَّة بسيطة في منطقة مأرب، وقد أصبحت هذه المنطقة فيما بعد موقع سد مأرب الشهير.

بدأ طريق التِّجارةِ بالازدهار على طول سواحل البحر الأحمر في تُهامة، وشهدت هذه الفترة حُكم ملكةِ سبأٍ (بلقيس) المذكورةِ في الكُتب الدينيّة المُقدَّسة، وفي نِهاية هذه الفترة، في القرن التَّاسع ق.م تَمَّ إدخال الأبجديَّة، وهذا يعني أنَّه يُمكن تدوين تاريخ جنوبي الجزيرة العربية.

مقالات متعلقة في دراسات وابحاث