فلسفة كونفوشيوس والفكر الاستراتيجي الصيني

فلسفة كونفوشيوس والفكر الفلسفي الاستراتيجي الصيني، كونفوشيوس، المعلم العظيم كونفوشيوس، مؤسس الفكر الكونفوشيوسي، التاريخ الكونفوشيوسي في الصين

  • 782 مشاهدة
  • Jul 18,2021 تاريخ النشر
  • الكاتب Ghada Halaiqa
  • ( تعليق)
فلسفة كونفوشيوس والفكر الاستراتيجي الصيني

فلسفة كونفوشيوس والفكر الاستراتيجي الصيني

 

تأسست الفلسفة الكونفوشيوسيّة على فكرة الإنسانيّة والمروءة والأخلاق، وهذا هو سبب جذب الناس من شتّى أرجاء العالم إلى فلسفة كونفوشيوس، لِما لها من أثرٍ عميق في تغذية الرُّوح وصقلٍ للأخلاق، وقد رأى الفلسفة الكونفوشيوسيّة كلُّن بحسب معتقده، فالماديّون اعتبروها فلسفة، أمّا البُسطاء من العامَّة اعتبروها دينٌ من الأديان.

 

كان لتأثير الفلسفة الكونفوشيوسيّة بالغ الأثر على الثقافة والفكر الصِّيني مُنذ آلاف الأعوام، ويظهر هذا التأثير جليّاً في نظام الحياة الأخلاقي والتقليدي السّائد هُناك.

 

كونفوشيوس

كونفوشيوس هو (كونغ تشيو، أو كونغ فوتسي)، فيلسوفٌ صيني كبير، ولد عام 551 قبل الميلاد، وكان المجتمع الذي ولد وعاش فيه تسوده الفوضى، ولا تحكمه القيم الأخلاقيّة في أي منحى من مناحي الحياة.

 

عاش كونفوشيوس فقيراً يتيماً، فقد توفي والده وهو لم يتجاوز الثالثة من عمره بعد، ولحقت به والدته وهو في السَّابعة عشر من عُمره، فانعكست هذه الظُّروف على مسار حياة فيلسوفنا منذ صغره، حيث سعى للتطبّع بطبائع النُّبلاء منذ صغره، إضافةً لسعيه الجاد لتقلّد وظيفةٍ رسميّة، فقام بدراسة المهارات السِت الأساسيّة في الصِّين القديمة (الووشو- أحد أساليب القتال-  والحساب والكتابة، والشؤوون العسكريّة، إضافةً لثقافة التواصل الاجتماعي).

 

وجميع هذه الثقافات كانت هي الأساس في ذلك الوقت لمن أراد الانضِمام إلى الدائرة السياسيّة في الصِّين، وقد كان الهدف الأسمى له هو إعادة بناء القيم الأخلاقيّة في مجتمعه في بدايات أسرة (تشو الغربيّة) عام 771 قبل الميلاد، إضافةً لإعادة بناء نظام الهيراركي، وهو نظام الدّرجات الاجتماعي الهَرمي.  تمكَّن كونفوشيوس من استيعاب المهارات السِت عند بلوغه العقد الثَّالث من عمره، فذاع سيطه وعلا شأنه.

 

بحيث تحوّل لمعلّمٍ يسعى الجَّميع لنهل العلم والمعرفة منه، ونتيجةً لهذا قام بإنشاء معهدٍ خاص لنشر العِلم في بيته، وكان هذا المعهد الأوّل من نوعه في البلاد، فقام بإعداد التلاميذ السَّاعين لتلقي العلوم من خلال نشر الثَّقافة التقليديّة لأسرة (تشو)، وقام بزرع المُثُل التي آمن بها في أعماقهم، مؤمناً بأنّهم أعمدة المجتمع الذين سيتابعون مسيرته، إضافةً لاعتباره مهنة التدريس هي السبيل المثالي للإنضمام إلى الدّائِرةِ السياسيّة.

 

ولهذا نجد من خلال البحث بأنّ كونفوشيوس قد أمضى حياته بين مهنة التدريس، والعمل السياسي، فقد شغل في حكومة (دويلو) منصِب المسؤول عن دائِرةِ الشؤون القانويّة، وكان في ذلك الوقت في العقد الخامس من عمره، لكنّه تخلّى عن منصبه إبان مكيدةٍ سياسيّة أحيكت له، وانطلق بعدها في جولةٍ برفقة تلاميذه لمدّة 14 عاماً، بين الدويلات، سعى فيها لنشر مثله في سبيل إصلاح تلك المجتمعات، لكنّ مهمته تلك باءت بالفشل، قفل بعدها راجعاً إلى دويلة (لو)، ومات فيها بعد ثلاثةِ أعوام.

 

ورغم التناقضات المجتمعيّة في جميع مناحي الحياة، إلا أنّ هذه العراقيل لم تثني كونفوشيوس من متابعة مسيرته التوعيّة، متنقلاً فيها بين العمل السياسي، والعمل التربوي والتعليمي، وتحوّل جراء مساعيه تلك إلى أعظم معلّم في تاريخ الصين على الإطلاق.

 

المُعلِّم العظيم كونفوشيوس

كما ذكرت آنفاً، فقد كان كونفوشيوس أوّل من أقام مؤسَّسةً تعليميّة في التاريخ، إضافةً إلى تأسيس الهيكل لنظام التعليم القديم في بلاده، وتضمّن هذا الهيكل الأهداف والأسلوب والمُحتوى، إضافةً إلى سعيه لتعليم الكفاءة والأخلاق.

 

 فقد كان يؤمن في قرارة نفسه بأن الهدف الأسمى للتعليم هو بناء الأخلاق الكريمة، لهذا فقد كان يطلب من تلاميذه قراءة أمهات الكتب، ثُمَّ يقوم بشرحها بطريقةٍ إبداعيّة، وقد تمكّن من إيقاظ ضمائرهم، ومكنهم هذا الأمر من التنافس في التعليم، والاستزادة منه ذاتيّاً.

 

كان الدعوة الأهم التي نشرها كونفوشيوس هي أحقيّة الجميع في التعليم، مُعتبراً بأن الطبيعة التي أخرجت البشر قد ساوتهم، لكنّ التأثيرات البيئيّة والعادات المختلفة جعلتهم يتباينون في الممارسة، ولهذا فإنّ كلّ فردٍ يملك القدرة على الارتقاء بنفسه من خلال التربية والتعليم.

 

احتلّت التربية الأخلاقيّة مكانةً محوريّةً في نِظام التَّعليم الكونفوشيوسي، أمّا المجالات الأخرى في التربية فكانت تحتل مكانةً ثانويّة، وقد رأى كونفوشيوس بأنَّ مُمارسة السياسة تعتمد بشكلٍ أساسي على الأخلاق، تعقبها المهارات الأخرى للشخص لتحتل المراتب التي تلي الأخلاق.

 

ومن رسائل كونفوشيوس في المُحاورات للمعلّم:

"على المُعلِّم أن يُدرِّس بدونِ ملل، ويُعلِّم النَّاس دون سأم"، وأضاف:

"إنَّ الذي يستطيع - بمُحاكاة القديم - أن يكتسِب معلومات عن الجديد؛ يصلُح أن يكون معلِّماً"، داعياً إلى أن يكون التعليم ليس مجرّد أقوال تدرّس، بل أفعال تُطبّق، من خلال التعليم بين المُعلِّمين والطلبة للتقدّم معاً، من خلال ممارسة التدريس والتفكير في الوقت ذاته، وتشجيع الطلبة على الاستزادة لتجاوز مُعلِّميهم فكراً وعِلماً ومعرفة، حيثُ قال في المُحاورات:

 

"إحترم الشَّباب، كيف تعلم أنهم لن يكونوا يوماً ما أنت عليه الآن"، داعياً المسؤولين إلى تكريس أنفسهم للدِّراسة، والطَّلبة الذين أكملوا دراساتهم إلى تكريس أنفسهم كمسؤولين، وهذه الفكرة تحديداً كان لها أثرٌ عميق لشكل الحياة في تاريخ الصين، كونها شكَّلت الإرهاصات الأولى لشكل نِظام الامتحان الامبراطوري الذي ظهر للمرّة الأولى في زمن أُسرةِ (سوي) في نهايات القرن الخامس وبدايات القرن السادس للميلاد، إضافةً لكونها الوسيلة المُثلى لاختيار الموظفين لشغل مناصب حكوميّة.

 

وتجدر الإشارة إلى أنّ كونفوشيوس لم يقم بتدوين أي مؤلفٍ طوال فترة حياته، وبعد وفاته قام طلبته بجمع كافة تعاليمه التي تتلمذوها على يديه في كتابٍ أطلقوا عليه اسم (المحاورات).

 

مؤسِّس الفكر الكونفوشيوسي

الفكر الكونفوشوسي الذي يعود فضل تأسيسه إلى المعلّم الكبير كونفوشيوس، يُعتبر أوّل فكرٍ منهجيٍّ في التّاريخ الثقافي للصين، فهو لم يتطرّق إلى ذكر القوى الخارقة والأعاجيب والأرواح اللامرئيّة أو المُضطربه وغيرها من الخُزعبلات، أنّما أوضح بفكره هذا ماهيّة العلاقات الاجتماعيّة، فقد كان محور هذا الفكر هو نزعة الخير، والتي حدّدها المعلّم بعددٍ من المُرتكزات، ومن أهمها احترام الأبوين والإخوة والأخوات.

 

وتشمل نزعة الخير في الكونفوشوسيّة على الأخلاق واحترام الآخرين، كما أنّها السبيل لممارسة العمل السياسي، وقد لخصها كونفوشيوس – وفق المُحاورات - بمعيار السّلوك الإنساني، فقد حدّد نقطتين لإقامة دولة أساس النَّزعة الخيريّة، وهي:

- الأمانة والتسامُح.

-  الالتزام بالشّعائر.

 

وقد شرح النقطة الأولى من خلال الحضّ على مُساعدة الآخرين لإقامة المُثُل الطيِّبة، وشرحها المُفكّر الكونفوشيوسي (منشيوس)، قائلاً:

"إذا كُنتُ كبيراً، وأردت أن يحترمني النّاس، عليَّ أولاً أن أحترِم الآخرين، وإن كُنتُ طفلاً وأردت أن يُحبني النّاس، عليَّ أن أُحبّهم أولاً"، وهذا التعبير على بساطته يكشف جوهر العلاقة اليوميّة بين النّاس في كلِّ مكان، إضافةً إلى كونه الأساس الذي ارتكزت عليه المُجتمعات البشريّة مُنذُ الأزل.

 

أمّا إلزام النفس بالشّعائر هو شعارٌ صيني ضاربٌ في القدم، لكنّ كونفوشيوس قام بوضع تفسيرٍ جديدٍ له، وهذا التفسير ينص على أنّ من يتمكّن من إلزام نفسه بالشّعائِر ليومٍ واحدٍ هو إنسانٌ طيِّب، وفي المُقابل فإنّ كلّ إنسانٍ في مُحيطه سوف يردُّ عليه طيبته، مُعتقداً بأنّ الإنسان ينبغي له أن يُسيطر على انفعالاته، وأن يسعى للرُّقي بأخلاقه إلى أبعد حد، في سبيل مصلحة الحياة، فقد شجع تلاميذه على هذا الأمر قائلاً:

 

"لا تدع أحداً يسبقُك إلى أفعال الخير، حتّى لو كان هذا الشخص هو مُعلِّمُك"، وظهر شرح هذه النقطة في الفكر الكونفوشيوسي الذي أوضح بأنَّ تمكُّن الإنسان من الارتقاء إلى منزلةٍ طيِّبة، يُمكّنه من فعل ما يشاء، دون اللجوء على مُناقضة الأخلاق، فالفقير الذي يرقى بأخلاقه، يُصبح خادماً زاهداً لمجتمعه عندما يُصبح ثريَّاً.

 

ومن هنا يتضح لنا بأنّ الفكر الكونفوشيوسي يشتمل على كافة المباديء والأخلاق، إضافةً لأساليب التربية والفكر السياسي، جميعها تندرج تحت منظومةٍ كاملة قام بتأسيسها المعلّم الكبير كونفوشيوس، ومن هنا تحوّلت تلك المنظومة إلى الهدف الأسمى الذي يسعى إليه المُجتمع الصيني جيلاً بعد جيل.

 

التاريخ الكونفوشيوسي في الصين

ارتقت مكانة وشُهرة كونفوشيوس إلى آفاق جديدة إبان رحيله،  فقد لُقِّب بـ(المعلِّم الأكبر)، وعبَّر الامبراطور (قاو تسو) - من أسرة هان الغربيّة – عن احترامه لكونفوشيوس والأثر الكبير الذي تركه خلفه، وذلك من خلال طلبه من وزرائه التعبير عن احترامهم لتلك المباديء قبل البدء بممارسة العمل السياسي.

 

 أمّا في عصر الإمبراطور (وودي)، هذا العصر الذي وصلت فيه الكونفوشيوسيّة إلى القمّة، وجاء هذا الوصول من خلال حظر البلاط كافّة المدارس الفكريّة، باستثناء الكونفوشيوسيّة، فقد تحولت في ذلك الوقت إلى الفكر الرّسمي للإمبراطوريّة، وتمّ اعتبار كونفوشيوس إلهاً، وتواصلت مكانة كونفوشيوس بالارتقاء حتى أضحى أعظم معلِّمٍ في الصين حتّى القرن التاسع عشر للميلاد.

 

ولكن وبعد اندلاع ثورة الفلاحين التي اشتعلت في أواسط القرن التاسع عشر، قام الفلاحون بتحطيم وهدم تماثيل ومعابد كونفوشيوس، وتحوّلت كتبه إلى كُتبٍ ضارّة يسعون للتخلّص مِنها، لكنّ الإصلاحيّون البرجوازيّون الصينيّون قاموا بإعادة رفع مكانة الكونفوشيوسيّة في البلاد في تسعينيّات القرن التاسع عشر، وأعادوه ليحتلّ مكانة المُعلِّم الأوّل في عمليّة الإصلاح والتجديد هُناك، لكنّ الكونفوشيوسيّة تعرّضت لهجومٍ جديد من قبل حركة الثقافة الجديدة عام 1919م، وتكرّر هذا الهجوم في عامي 1966 و1976م، خلال فترة الثورة الثقافيّة التي اشتعلت في الصِّين.

 

أمّا في وقتنا الحالي، فقد تأثّر الشباب الصيني بالثقافة الغربيّة، الأمر الذي أبعدهم عن مباديء كونفوشيوس وتعاليمه الواردة في المُحاورات، وقد عالجت الحكومة الصينيّة هذا الأمر من خلال إقامة احتفاليّات تعبّر من خلالها عن المكانة العظيمة التي يحتلها كونفوشيوس في المُجتمع الصيني.

 

فقد كان له الفضل العظيم في المحافظة على النسيج الأخلاقي في المجتمع الصيني، وكنوع من الرَّد على الغزو الثقافي الغربي للثقافة المحليّة والتقليديّة في الصين، وكنوعٍ من على الأزمة الروحيّة لتأكيد الهويّة الثقافيّة الذاتيّة، فهذه الاحتفاليات المُقامة لتخليد وتجديد المباديء والقيم الكونفوشيوسيّة في المُجتمع الصيني، تأتي لاستعادة الإيمان الرّوحي والأخلاقي الذي سعى كونفوشيوس لنشرها في المجتمع الصيني طوال حياته.

 

 

مقالات متعلقة في الفلسفة