جواهر فلسفية من التوحيد

جواهر فلسفية من التوحيد، التوحيد بين الخالق والمخلوق، نظرية الفيض الالهي عند افلاطون، مذاهب التوحيد، فلسفات التوحيد، الألفيدا، السنكارهيا، الإبراهما، البوذية،

  • 334 مشاهدة
  • Jan 30,2022 تاريخ النشر
  • الكاتب طارق منير ناصر الدين
  • ( تعليق)
جواهر فلسفية من التوحيد

جواهر فلسفيَّة من التوحيد

 

الخَالِقُ والمَخلوق، الواجِدُ والمَوجود، سِرَّ الكَون بين العِلّةِ والمَعلول، وفلسفة بداية الحياة، ومن أينَ أتى الإنسان، وإلى أين المُستقر.

هي أسئلةٌ وجوديَّة بدأت مع وجود الوعي الإنساني لهذا الكون العظيم:

"من نحنُ؟ ولماذا نحنُ هنا؟ ومَن خَلقنا، ولماذا خُلقنا؟ ومن أين أتى الوجود، وما هي عِلَّتهُ وكِنتهُ وأصلُ وجوده؟".

اختلف العقل البشري على الإجابة عن تلك الأسئلة، فمنذ بداية الحضارة إلى يومنا هذا مذاهبٌ ومدارسٌ ونظريَّاتٌ تتعارض وأخرى تتفق، ويبقى الوجود كما هو ثابتٌ لا يتغيَّر بتغيُّر وعينا وإدراكنا له، وتبقى وحدة (الواجِد لكُلِّ موجود) ثابتة مهما ابتعدنا عن الاقتراب من أنوارها، إنَّ العقل في هذا العالم تيارٌ واحدٌ متنقلٌ في بحرٍ عميقٍ ليس له حدود، ينهل من فيض العقل المُطلق، ومهما فاقت كليته في إدراكِ الوعي، فما يُدرِكُ سوى فيضِ الفيضِ من المُطلقِ السرمدي، والعقل الكوني الأبدي، بل أنَّ الشخصَ نفسه الذي يقومُ بالتدليلِ العقلي، لا يزيد على ظاهرةِ الإدراك سوى الاقتراب أو الابتعاد من نور الخالق؛ "النور الشعشعاني"، فالاقتراب منه نور؛ والابتعاد عنه عتمة، فليس للعقل أن يُنتِجَ أو يَخلِقَ، أي أنَّه وهمٌ من الأوهام، فماذا عسى أن يكون سوى التقاء مؤقَّت لطائفةٍ من حوادث، أو سوى عُقدةٍ عابرة في مسارات المادَّة والعقل خلال المكان والزمان؟

 

ومَاذا عسى أن تكون أفعاله وأفكاره سوى نتيجةً لطائفةٍ من القُوى التي سبقت بوجودها وجوده بعهدٍ بعيد؟ ليس ثمَّة من حقيقة إلا حقيقة التوحيد؛ "وحدة العلَّة والمعلول"، ووحدة "الخالق والمخلوق"، ذلك المُحيط الكوني الفسيح الذي لا تكون صورة أي شيء إلا بمثابة موجة عابرة فيه، أو إن شئت فقل لا تكون صورة الشيء إلا نُقطة زَبَدٍ على موجة من موجاته، فليست الفضيلة هي ما في أعمال الخير من بطولةٍ صامتة، كلا؛ ولا هي نشوة من التقوى ينتشيها من يوصف بها، بل هي مجرَّد الاعتراف بوحدة النفي مع كل نفسٍ أخرى في حقيقةٍ واحدة، هي أنَّ الله العظيم خالق كلِّ الأقانيم، تعرفه النَّفس، ويُدركه العقل، وتنطق به الكلمة، وتسمو به وحدة التالي من التجلِّي والسَّابق من الوجود، أينما أبحرت سترى التوحيد بعقل كلِّ عارفٍ، وببصيرة كُلِّ حكيمٍ حاول أن يقرع أبواب العقل؛ وقال أنَّ الله خلقنا من صورته، ونحن منه واليه راجعون.

من (الإبراهما) عند الفلسفات التوحيديَّة الهنديَّة التي حاولت معرفة الخالق، والغوص في نور الوحدة والتجلِّي، "تجلِّي الله في بحر خلقه"، نعم الله صنع الكون من ذات قُدرته ومن فيض طاقته، إنَّ جميع الفلسفات والمذاهب عبر العصور التقت على التوحيد بصورةٍ أو بأُخرى، كما قال الخليفة الفاطمي، الحاكم بأمر الله جلَّ الله بسرِّهِ وحكمتهِ المستفيضةِ من بحرِ الكُلِّ إلى المُطلق: " لا شيء إلا من شيءٍ مثله، وجميع الأشياء ستبقى بمشيئةِ كُن الأزليَّة".

وهذا ما قاله الحكيم العظيم أفلاطون حين تحدَّث عن رأيه بـ(الفيض الإلهي) الذي اعتبر أنَّ "الله نورٌ مطلقٌ  تَوحَّدَ مع َما خَلقْ"، فالله يعلَمُ ذاته، وهذا العِلمُ بالذَّاتِ يفيض ويصدر عنه العقل الكُلِّي المُبدع بدون إرادة، أو قصد، أو غرض، يفيض من العقل المطلق الأوَّل!.

ثُمَّ أنَّ العقل الكُلِّي الأوَّل عكس العقل المُطلق الأوَّل الذي هو واحدٌ من كُلِّ الجهات، ماهيته هي غير وجوده، زد على ذلك فإنَّ إدراك العقل الكُلِّي للعقل المُطلق، يؤدِّي إلى "فيض الفيض"، ومن  فيضِ الفيض من المُطلق إلى الكل يفيض منه، ويصدر العقل الثاني الموجود من إبداع الكل، ثم إنَّ إدراكه -أي العقل الكلي- واجبٌ للوجود، لِعلَّة الفيض المُطلق! يفيض عنه نفس الفلك الأوَّل. ثُمَّ إنَّ إدراكه لذاته وأنَّها مُمكنة الوجود قبل وجوده، أي الماهيّة والهيولة، يفيض عنها جسم الفلك الأوَّل.

يَصدر عن العقل الكُلِّي ثلاثة موجودات، هي العقل الثاني، نفس الفلك الأوَّل، وجسم الفلك الأوَّل بنفس الطريقة، ويصدر عن العقل الثاني العقل الثالث، ونفس الفلك الثاني وجسم الفلك الثاني، ويتواصل  صدور هذه العقول والنفوس والأفلاك بهذه الطريقة إلى غاية العقل العاشر، والذي يُسمَّى بالعقل الفعَّال، حسب تعبير أفلاطون، وهذه هي العقول المُفارقة.
إذن إدراك كلُّ عقلٍ للعقل الذي صدر منه، وهو أشرف أنواع الإدراك يصدر عنه عقلٌ آخر، أما إدراكه لذاته على أنَّها واجبة الوجود؛ أي لوجوده، فهو يأتي في المرتبة الثانية من ناحية الشرف، وعليه فإنَّه يصدر عن هذا الإدراك (النَّفس)، أمَّا إدراكه لذاته على أنَّها مُمكنة الوجود؛ أي لماهيته، فيأتي في المرتبة الثالثة من ناحية الشرف، وعليه فإنَّه يصدر عنه (الجسم)، والعقلُ أشرف من النَّفس التي هي بدورها أشرف من الجسم.
أمَّا العقل الفعَّال، فعندما يُدرك العقل الكُلِّي؛ تفيض عنه النفوس البشرية، وعندما يُدرك العقول الأخرى التي قبله؛ تفيض عنه صور الأشياء، وعندما يُدرك ذاته؛ تفيض عنه العناصر التي تنشأ منها الأشياء. وعالم العناصر الأربعة، عبر هذا العقل الفعَّال تتصل بعض العقول الإنسانيَّة بعالم الغيب، إمَّا عن طريق الحكمة، والتجلِّي، والتصوُّف للولوج لسراديب العقل الكُلِّي، أو عن طريق النبوَّة، وهذه العقول التي تصل إلى هذه الدَّرجة هي ما تُسمَّى بالعقول المُستفادة والمصطفاة بالتوحيد بعد رحلة الأجيال السَّبع بالجسم الفاني والنَّفس الفانية، وتحت العقل الإنساني المُتجلِّي نجد العقل الإنساني بالفعل، والذي يحصل بالتعلُّم، وتحته العقل الإنساني بالقوَّة، والذي يكون عند الطفل منذ ولادته.

 

التوحيد بين الخالق والمخلوق، نظريّة الفيض الإلهي عند أفلاطون

 إذن فلسفة التوحيد حسب الأفلاطونيَّة، وفلسفات الإغريق واليونان؛ تتشابه مع فلسفة التوحيد الألفيديَّة والبوذيَّة والإبراهما الهنديَّة، وتتلاقى مع فلسفة الشَّرق الفرعونيَّة منذ (أخناتون)، توت عنخ آمون الموحِّد المُتجلِّي، النَّاشر للحكمة، والدَّاعي للتوحيد، إلى مِصر الحديثة الفاطميَّة التي جمعت أعظم درر التوحيد، وجمعت فلاسفة الحكمة الذين جمعوا الجَّواهر من كلِّ الحضارات والفلسفات؛ وقدَّموها للموَّحدين بمذهبٍ عظيم يؤمِّم العقل والحكمة؛ للولوج لنور الخالق الأوَّل والواجد لكلِّ موجود، دون الحاجة للوجود فعلته بفيضه لأنَّه مُطلق، تفيض مِنه القدرة، لا لسببٍ أو عِبرة، هو الصِّفر المُطلق والعدم السرمدي، وتنتهي عنده الأشياء وتبدأ، فالله  لذلك هو العدم؛ لأنَّه مُطلق بالمعرفة، فترى توحيداً بين الخلقِ وخالقه؛ لأنَّ الموجود من عِلَّة الواجد، ويقول أفلاطون: أنَّ الفيض الإلهي يخلق الكل بكل موجوداتها، من كلِّ العقل المُدرِك لفيض المُطلَق؛ فيكون العقل المُدرِك للخالق هو من فيض الوعي، ويكون مُستمدَّاً الوعي من ذات الخالقِ، فيغدو الخَلق الكُلِّي صورةً فيضيَّة من الوعي السَّرمدي الذي لا يُحد، "إنَّ من يُدرك كُلَّ الكائنات في نفسه، ويدرك نفسَه في كُلِّ الكائنات، لن يُصيبه شيءٌ من القلق بعدئذ، وسيعلم أنَّه من روح الله، والله ساكنٌ فيه؛ وهو ساكنٌ بقلبِ الله، وسيغدو صورةَ الله على الأرض"،  إذ كيف يُمكن أن يُصاحبه بعد ذلك وهمٌ أو أسى؟ وهو المُتَّحد المُوَّحد للخالق، كنه الفاني فاض من كنه القادر الأزلي.

إنَّ فيض العَقل الكُلِّي الذي فاض من العقل المُطلق يفيض بفيضه، فيخلق وعي النَّفس، ويُدرك العقل وجوده، ويعي حدوده بين مخلوقات الخالق، فيُسبِّح بكلمته، فتكون كلمة الله صورة الوعي، والعقل، والنَّفس، فتخطُّ النَّفس بكلمتها سابق الوجود وتالي الزَّمان، وتوحِّد الله وحدةً أزليَّةً لا تنفكّ عنه.

عزيزي القارئ، أينما تُبحِر في فلسفات التوحيد؛ من أقاصي الهند، وبين مذاهبها وكتبها المُقدَّسة في كُتُب الألفيدا، والسنكارهيا الإبراهما والبوذيَّة، تراها توحِّد الخالق، وتتيقَّن اندماج النُسخ مع الأصل، وتُقرّ أنَّ كل ما هو مخلوقٌ بمشيئة واحدٍ أحد من فيض وعيه الكوني خُلِقَت الأشياء، وترى ذاك الشَّرح ذاته عند الإغريق، وعند الفراعنة، وعند كل ذي عقلٍ مُستنيرٍ موحِّد، إنَّ التوحيد ليس فقط التيقن، وإقرار أنَّ "لا إله إلا الله"، فالوحدانيَّة ثابتة يقينيَّة، ولكنَّ التوحيد زاد على الوحدانيَّة بأنَّ ذاك الفرض الصمد عدله مُطلق، لا يحدُّهُ زمانٌ ولا مكان؛ وكل الأزمان من فيض زمانه، وكل مكانٍ من فيض قدرته، فنحن جزءٌ من الله؛ منه وله نحمل ذات النُّور، لأنَّ نفسنا تفيض من النَّفس الفائضة من فيض العقل الكُلِّي الفائض من الخالق الشعشعاني المُطلق.

لذلك ترى الموحِّد ومذاهب التوحيد، مذاهبٌ ترفع إمامة العقل، "فلا إمام إلا العقل، لا إمام"، وتستدل على الله بمدركات ما أعطاها، وتستبصر بنفوسٍ عطشى لمرضاته، وعقولٍ سابحةٍ في بحر فيضه ووعيهِ، لذلك إنَّ الموحِّد المؤمن قابضٌ على الجَّمر حينَ قبَضَ على الجَّواهر، ولا يحيد عن اليقين، وعن الرضي، والتسليم، وعن التقوى والتقيَّة، "وهذه الجَّواهر الثمينة هي جواهر الحكمة، والفلسفة التوحيدية جمراتٌ تحرق كُلَّ معصية، تثنيه عن المسير للوصول لأبواب التجلَّي"

وفي نِهاية المقال، أحبُّ أن أوضِّح أنَّ فلسفة التوحيد يعتنقها الكثير، وغاية كلّ موحِّد عبر الكون؛ التوحُّد مع الفيض الذي خلقه الله، ليكون كما أراد له الواحد الأحد، صورةً منه ومعلولاً لعلَّتهِ.

مقالات متعلقة في الفلسفة