الليبرالية الكلاسيكية والليبرالية الجديدة

الليبرالية، الليبرالية كمصطلح لغوي، الليبرالية كجوهر فكري، مراحل تطور الليبرالية، الليبرالية الكلاسيكية، الليبرالية الخديثة الاجتماعية، النيوليبرالية، قيم ليبر

  • 188 مشاهدة
  • Jan 29,2022 تاريخ النشر
  • الكاتب طارق منير ناصر الدين
  • ( تعليق)
الليبرالية الكلاسيكية والليبرالية الجديدة
الليبراليَّة
 

الليبراليَّة كمصطلحٍ لغوي

الليبراليَّة، مصطلح أجنبي مُعرَّب للغتنا العربيَّة، ومأخوذٌ من (Liberalism) في الإنجليزيَّة، وفي اللاتينيَّة (liberalis)، أي حُر؛ وتعني التحرريَّة والحريَّة.

إذا ما راقبنا ظهور هذا المصطلح غربيَّاً؛  نجد أنَّ للتنويريين البروتستانت المتمردين على الكنيسة التقليدية، والحانقين بسبب الحروب الدمويَّة التي تسبَّبت فيها الفتنة بين المذاهب الكنسيَّة، الأثر القوي في نشوء فكرة الليبراليَّة، حيث لعبت البروتستانتيَّة دوراً إصلاحيَّاً كبيراً في الكنيسة والمجتمع، وهم أوَّل من استخدم مُصطلح الحُريَّة والفرديَّة بالتعامُل مع الرَّب بشكلٍ شخصي، مُردِّدين عبارة: "دَعْ ما لِقيصر لقيصر، وما لله لله".

وهنا تشكَّلت حركة فكريَّة ضمن البروتستانتيَّة المُعاصرة، وقد أُطلق على هذه الحركة اسم (الليبرالية)، لأنَّها تعتمد على حُريَّة التفكير، وانتهاج الفِكر العقلاني في التعامُل مع النُّصوص الدينيَّة.

وهنا كان الفصل والدَّعوة الى التخلُّص من السُّلطة المُطلقة للكنيسة؛ والدَّعوة الى الفرديَّة وحقِّ الإنسان بحُريَّة قراره التحرُّري أو الليبرالي، وبالنَّظر الى المصطلح من وجهة نظر التطوُّر التاريخي للمجتمعات، نرى أنَّه بدأ يُطلق على الأفكار التحرريَّة، والتي تدعو إلى حقِّ التملُّك، وحقِّ الحياة الخاصَّة دون رقابةٍ دينيَّة، أو إلهيّة، أو حتَّى رقابة أحد سوى الضَّمير الفردي.

 

الليبراليَّة كجوهرٍ فكري

إنَّ أهم الأسُس الفكريَّة التي اعتمدت عليها الفلسفة الليبراليَّة، هي: (الحُريَّة، الفرديَّة، والعقلانيَّة)، ونجد أنَّ الحُريَّة حسب المفهوم الليبرالي تعني حرُيَّة الفرد الكاملة، واتِّخاذ قرارات مُتحرِّرةً من كلِّ صورة جبريَّة دينيَّةً كانت أم سُلطويَّة، أمَّا الفرديَّة في الفلسفة الليبراليَّة؛ فقد أخذت منحى اعتماد الإنسان على ذاتهِ فقط، والعمل الفردي للوصول للنَّجاح والتغيير.

اعتنقت الفلسفة الليبراليَّة مفهوم التغيير الذَّاتي والفردي، ولم ترى أنَّ التغيير الاجتماعي يحتاج إلى التغيير الجماعي، حيث انَّها لا تؤمن بالتغيير الجماعي والتحوُّلات الجماعيَّة، وإنَّما تَعتبر أنَّ التغيير الحقيقي يكون تغييراً فرديَّاً فقط، أمَّا العقلانيَّة فهي تتشارك مع جميع الفلسفات في عصر النَّهضة، والتي عاصرت الفلسفة الليبراليَّة في بدايتها، والتي تعتمد المفهوم العِلماني، وتعني العقلانيَّة: (استقلال العقل البشري بإدراك المصالح والمنافع، دون الحاجة إلى قِوى خارجيَّة لاهوتيَّة).

ومن هُنا نرى أنَّ الفكر الليبرالي هو لونٌ من الفلسفةِ السياسيَّة، ظهر في ظلِّ الرأسماليَّة؛ وتضرب الليبراليَّة جذورها الفكريَّة في المذاهب الفلسفيَّة ذات التوجُّه التحرُّري، واستلهمت من المنوِّرين الفرنسيين في القرن السَّابع عشر والثَّامن عشر أفكارها الأولى، وكانت الليبراليَّة تُمثِّل البرنامج الإيديولوجي للبرجوازيَّة الفتيَّة التي تُناهض بقايا الإقطاعيَّة، وتلعب دوراً تقدميَّاً في تلك المرحلة، وهي مذهبٌ سياسي فلسفي يُقرِّر أنَّ وحدة الدِّين ليست هامّة أو ضروريَّةً للتنظيم الاجتماعي الصالح، وأنَّ القانون مُلزم بأن يكفل حُريَّة الرَّأي والمُعتقد.

فالليبراليَّة ليست نظريَّة، بل عبارة عن أيديولوجيا؛ حيث أنَّها تُعنى بالفرد وتدرس حاله، وليس المجتمع ككل ضمن وحدةٍ مُتكاملة، مثالاً لذلك: إنَّ نظريَّة المدرسة الاشتراكيَّة تتحدَّث عن تحوُّلٍ اجتماعي، وفي المقابل تتعامل الليبراليَّة مع حالة الفرد، ولذلك تراها تنتقل بين مدرسةٍ اقتصاديَّةٍ وأخرى عبر مراحل تطوُّرها؛ وفقاً للمنفعة التي تُقدِّمها تلك المدرسة للفرد من وجهة نظرها، وهذا ما جعلها خلَّاقة متطوِّرة في أفكارها، غير ثابتة من جهة، ولكن من جهةٍ أخرى أفقدها صفة النظريَّة العلميَّة التي ترتكز على مدرسةٍ اقتصاديَّةٍ خاصَّة واضحة المعالم، فهي تعكس بُنيةً فوقيَّة من أفكارٍ ونظم قانونيَّة لها.

رغم أنَّ وجود مُصطلح الليبراليَّة الاقتصاديَّة لا يُعطي الليبراليَّة نموذجاً اقتصاديَّاً مُنفصلاً عن المدرسة الرأسماليَّة، حيث أنَّ بنية الاقتصاد الليبرالي هو اقتصاد السوق الحُر، أي الرأسماليَّة. 

 

مراحل تطوُّر الليبراليَّة

تنقسم الليبراليَّة إلى ثلاثة أقسام، بل أدق من ذلك علينا تسميتها بمراحل تطوُّر الليبراليَّة عبر التَّاريخ، ورؤيتها للفرد والمجتمع، وتغيُّر قراءتها لحركة الصِّراع الطبقي، والتطوُّر الاقتصادي، وما أفرزه هذا التطوُّر على بُنية الفكر الليبرالي؛ ونظرته للأفكار الكلاسيكيَّة التي كانت في البداية بديهيَّات مُطلقة لا يُمكن المساس بها، كالتِّجارة الحُرَّة دون قيود، وعدم تدخُّل الدَّولة بالإنتاج، وما لبثت أن تغيَّرت هذه النَّظرة عبر مراحل التطوُّر الاقتصادي، وهذا ما سنوضِّحهُ بالتَّفصيل لاحقاً.

 

الليبراليَّة الكلاسيكيَّة 

الليبراليَّة الكلاسيكيَّة، اعتمدت بفلسفتها على أوائل المُفكِّرين التنويريِّين في بريطانيا وفرنسا، حيث نُلاحظ قسمين أو تقليدين مُختلفين في الليبراليَّة الكلاسيكيَّة، وهما:

  • التقليد الأوَّل: هو خلاصة المدرسة الليبراليَّة البريطانيَّة، حيث اعتمدت على أفكار كلٍ من: (آدم سميث، وستيوارت مل، وديفيد هيوم، ووليم بيلي)، ممثلين لهذا التقليد الذي صاغوا فيه مُعتقداتهم، معتمدين على الفلسفة التجريبيَّة، والقانون العام.
  • التقليد الثاني: هو الليبراليَّة الفرنسيَّة؛ مُعتمدةً على أفكار (جان جاك روسُّو، و جون لوك)، واعتمدت المدرسة الفرنسيَّة على فلسفة الأفكار الاقتصاديَّة الكلاسيكيَّة التي تبناها آدم سميث في كتابه الأوَّل (ثروة الأمم)، وعلى إيمانٍ بالقانون الطبيعي، والمدرسة النفعيَّة، ومبدأ التقدُّم، وتمَّ استخدام مُصطلح الليبراليَّة الكلاسيكيَّة لتمييزه عن الليبراليَّة الاجتماعيَّة التي ظهرت فيما بعد.

دعونا نتناول أحد فلاسفة الليبراليَّة الكلاسيكيَّة على سبيل المثال لا الحصر، لنطَّلع على أفكار المرحلة الكلاسيكيَّة لليبراليَّة، (جون ستيوارت ميل)، وهو من روَّاد الفلسفة الليبراليَّة، وأهم مؤسِّسيها، عاش في بريطانيا في القرن الثامن عشر، وكان له أثرٌ كبير في تأسيس قيَم الفكر الليبرالي.

إنَّ أسمى المبادئ عند ستيوارت هي: (حُريَّة الفرد، والتنوُّع، والعدالة، والتَّعبير عن الرَّأي، والنفعيَّة، وصولاً إلى السَّعادة البشريَّة)، ويتضمن كتاب (الحُريَّة)، دفاعاً حماسيَّاً عن حُريَّة التَّعبير، ويُجادل ميل بأنَّ الخطاب الحُر شرطٌ ضروريٌّ للتقدُّم الفكري والاجتماعي، وأنَّ حُريَّة التعبير من شأنها النُّهوض بالمجتمع، ويفترض مُسبقاً وجود مُجتمع متقدِّم ثقافيَّاً ومؤسسيَّاً بدرجةٍ كافية، ليكون قادراً على التحسين التدريجي ببنية التقدُّم الاجتماعي.

أمَّا النفعيَّة فهي نظريَّة أخلاقيَّة تبعيَّة، بمعنى أنَّها ترى أنَّ الأفعال مبرَّرةً بقدر ما تُنتِج نتيجةً مرغوبة؛ والهدف الشامل للنفعيَّة - النتيجة المثاليَّة - هو تحقيق "أكبر فائدة لأكبر عدد؛ كنتيجةٍ نهائيَّة للفِعل البشري"، في المذهب النَّفعي.

لم يكن جون ستيوارت مل يعتبر الاشتراكيَّة التي دافع عنها في كتابه (الاقتصاد السياسي)، خطراً على حُريَّة الفرد، ولقد أطلق ميل مقولةً وَسَمَت الحقبة التاريخيَّة التي عاش فيها، ومفادها: (أنَّ كُلّ ما يُقيِّد المُنافسة الحُرَّة هو الشَّرُ المطلق، وكل ما يُطلقها هو الخير العميم).

وهُنا نرى أنَّ الطبيعة التطوريَّة الرأسماليَّة النَّاهضة في بداية التقدُّم الصِّناعي، لم يحمل ذلك التناقض التناحُري بعد؛ بصورته العقيمة بين قِوى الإنتاج ووسائل الإنتاج، ممَّا أبقى على أحلام المفكِّرين الليبراليين بأنَّ الرأسماليَّة خلَّاقة وحُرَّة، وأنَّها النَّهج الذي سيُعطي قِيّم الحُريَّة والسَّعادة والمنفعة للجَّميع، وأنَّها لا تتناقض مع قيم الحُريَّة والعدالة، والمساواة والرفاهيَّة للجميع، والمدنيَّة، والتحرُّر الفكري، والمُساواة بين الجنسين، وباقي قِيم الليبراليَّة، عبر مدرستها الكلاسيكيَّة على امتداد مُنظِّريها الأوائل، من جون لوك، إلى هوبز، وجان جاك روسُّو، وستيوارت ميل.


 

الليبراليَّة الحديثة، (الاجتماعيَّة)

الليبراليَّة الاجتماعية، أو الليبراليَّة الحديثة، تختلف عن (النيوليبراليَّة)، التي تُعبِّر عن (الليبراليَّة الجديدة في الولايات المُتحدة الأمريكيَّة)، وكثيراً ما يُخلط بين المصطلحين باللغة العربيَّة، ويُطلق عليهما معاً (الليبراليَّة الحديثة).

إنَّ مُصطلح الليبراليَّة الحديثة، هي الفِكر التحرُّري النَّاجم عن مُفكِّري القرن التَّاسع عشر، وبدايات القرن العشرين.

ونذكر كمثالٍ عن أهم مؤسِّسي هذا التيَّار، المُفكِّر (ليونارد هوبهاوس)، الذي يُمثِّل قيم الليبراليَّة الاجتماعيَّة التي تُنادي بالتدخُّل الاجتماعي للدَّولة، مع الحفاظ على المُلكيَّة الخاصَّة لوسائل الإنتاج، مع تطعيم الأفكار  الرأسماليَّة ببعض الأفكار الاشتراكيَّة، حيث نادى (هوبهاوس) بتدخُّلٍ ضروري من قبل الدَّولة في قطاع الخدمات، والتَّأمين الصِّحي، وسنَّ القوانين التي تمنع الاحتكار.

ونرى أيضاً أنَّ الليبيراليَّة الاجتماعيَّة كانت السِّمة المُسيطرة على أشكال الليبراليَّات وأنماطها المتنوِّعة في الولايات المتحدة الأمريكيَّة، فمن الناحية الاقتصاديَّة، تُعارض الليبراليَّة الأمريكيَّة الحديثة فرض تخفيضاتٍ على شبكة الأمان الاجتماعي، وتدعم دور الحكومة في الحدّ من عدم المساواة، وتأمين التعليم، وضمان الوصول إلى الرِّعاية الصحيَّة، وتنظيم النَّشاط الاقتصادي، وحماية البيئة الطبيعيَّة، وقد أخذت تلك الليبراليَّة الاجتماعيَّة، أو الليبراليَّة الحديثة في أمريكا شكلها خلال القرن العشرين، مع وجود جذورٍ لها في القوميَّة الجديدة، ضمن أفكار (ثيودور روزفلت)، والحُريَّة الجديدة لأفكار (ويلسون)، ونظريَّة الصفقة الجديدة في الفكر السياسي لــ(فرانكلين روزفلت)، وأسَّس الفكر التحرُّري الاقتصادي بنظريَّة الصفقة العادلة لـ(هاري إسترومان)، وفلسفة الحدود الجديدة، ورؤية (جون كينيدي)، لتُدخِل الدَّولة في الاقتصاد والسِّياسة.

ورُغم ذلك، كان يُعارض الليبراليُّون الأمريكيُّون المحافظون في أغلب القضايا، ولكن ليس جميعها، وهُنا نرى ارتباط الليبراليَّة الحديثة تاريخيَّاً بالليبراليَّة الاجتماعيَّة والتقدميَّة.

على الرَّغم من أنَّ العلاقة الحاليَّة بين وجهات النَّظر الليبراليَّة والتقدميَّة هي موضع نقاش، وقد يكون انقلاباً على الأفكار السَّائدة في القرن العشرين، وبدايات الواحد والعشرين، فإنَّ الليبراليين بعد أن نمت حركة الطَّبقة العاملة لتُصبِحَ أقوى قليلاً، لم يجرؤوا على إنكار الصِّراع الطَّبقي، وإنَّما حاولوا أن يُضيّقوا ويُقلّصوا ويُخصِّصوا مفهوم الصِّراع الطبقي، بطلب زيادة الأجور، وتحسين فُرص الحصول على العمل، وضرورة فتح فرص جديدة لجيوش العاطلين عن العمل، والليبراليُّون على استعدادٍ للاعتراف بالصِّراع الطَّبقي في المجال السِّياسي أيضاً، ولكن بشرطٍ واحد؛ وهو ألا يدخل تنظيم سُلطة الدَّولة في ذلك المجال؛ أي أن يبقى الكلام عن حُريَّة الفرد في الحديث والتَّعبير، والمُطالبة بالعمل، والمطالبة بحقوقه، ولكن المُطالبة تقوم على مفهومٍ فلسفيٍّ لدى الليبراليَّة، حيث أنَّها تؤيِّد الطَّبقات المسحوقة والمُتضرِّرة من الفِكر البرجوازي، والرّأسماليَّة التي تؤدِّي بسبب أزماتها المُتكرِّرة والدوريَّة إلى ضرب الإنتاج الحقيقي، واستبداله بإنتاجٍ يعتمد على الرِّبح، ولو كان على حساب قوى الإنتاج، بمعنى أنَّ التطوُّر الكبير الذي حصل في عصر الرأسماليَّة المُطلقة؛ أدَّى لتناقضٍ كبيرٍ بين وسائل الإنتاج التي تطوَّرت وتقدَّمت علميَّاً وحضاريَّاً وإنتاجيَّة، على عكس قِوى الإنتاج التي بقيت ضمن حدود تطوُّرها البدائي من الرَّفاهية، والتقدُّم العلمي، والأمان الاجتماعي، فغدت القِوى المُنتجة وسيلةً لمُراكمة الثَّروة والرِّبح  لدى الطبقات الرأسماليَّة، غير آبهةً بالظُّروف الطبقيَّة المُترديَّة التي وصلت لها الطبقات الفقيرة، وأن تحول الغاية من الإنتاج بحدِّ ذاته؛ من وسيلة تداول لسدِّ الحاجيَّات الماديَّة للبشريَّة، إلى وسيلة ربح وإنتاج بنيوي قائمٌ على السُّوق المالي، والقروض، والإنتاج الرَّقمي المالي الافتراضي، والذي يخلق جيوشاً من العاطلين عن العمل، ويُدمِّر الاقتصادات المُنتجة، ويخلق اقتصادات ريعيَّة لا تلبث أن تُدمِّر بُنية المجتمع، وتخلق صِراعاً حقيقيَّاً يؤدِّي إلى اضطراباتٍ وثوراتٍ حتميَّة؛ بسبب الجوع والفقر، وانعدام الأمن الاجتماعي، والصحِّي، والغذائي في المجتمع، لصالح حفنة اقتصاديُّون يُراكِمون الأرباح على حساب الطَّبقات الفقيرة، وعلى حساب الدَّولة واقتصادها، وشكل إنتاجه، فليس من الصَّعب أن نفهم أيٌّ من المصالح الطبقيَّة للبرجوازيَّة هي التي تؤدِّي للتشويه الليبرالي لمفهوم الصِّراع الطَّبقي، حيث لا تعترف الليبراليَّة بجوهر الأزمة، وهو أنَّ بُنية الاقتصاد الرَّأسمالي بُنيةً عقيمة، تخلق أزماتها من جوهر تطوُّرها الذي يقود حتميَّاً الى تضخُّم، بطالة، كساد، صراعٌ طبقي بين طبقةٍ مُتنفِّذة لا تتعدَّى الـ 5% من المجتمع،  وبين شعبٍ مسحوق تأكله البطالة، والأزمات، والمرض، والفقر، وتصل نسبتهُ إلى 95 % من إجمالي الشَّعب.

كلُّ هذا الصِّراع، أدَّى بمُفكري عصر الليبراليَّة الحديثة أن يُطوِّروا من رؤيتهم للاقتصاد الرَّأسمالي بعد حصول الكساد الكبير، والتناقض البنيوي في الاقتصاد الرَّأسمالي، والتضخُّم المالي والنَّقدي، والعجز في ميزانيَّات الدُّول على سداد الديون المقترضة نتيجة التدخُّل المُباشر للدَّولة، من أجل الإنفاق الحكومي لضرب الكساد، وتحوُّل الاقتصادات الكُبرى من الاقتصاد الإنتاجي، إلى الاقتصاد الرَّيعي الذي يعتمد على الاستيراد؛ لتلبية السُّوق القوميَّة والمحليَّة عِوضاً عن الإنتاج.

كُل ما ذُكر أدَّى إلى تناقضٍ جوهري لدى الفِكر الليبرالي؛ بين القيم الأساسيَّة التي تُنادي فيها الليبراليَّة من حُريَّة السُّوق، والحُريَّة التجاريَّة، والكسر الكامل للقيود بين الدُّول، والتجارة الحُرَّة، إلى الدُّخول في الانغلاق والتقوقُّع، والانحسار بعيداً عن أفكار المؤسِّسين الأوائل للفكر الليبرالي، لا بل نجد أنَّ أهم المُنظِّرين الليبراليين قد انقلبوا على أفكارهم الأولى بعد أن عاصروا الأزمات المُتتالية للاقتصاد الرَّأسمالي، حيث نجد توصيف أهم المفكِّرين الليبراليين (جون كينز)، الذي يدعو إلى التخلِّي عن قيم الليبراليَّة الاقتصاديَّة الكلاسيكيَّة، والدَّعوة إلى ليبراليَّة جديدة، وذلك حسب توصيفه لمُشكلة مُهمَّة؛ وهي إشارة كينز إلى أنَّ "الدُّول التي تستورد أكثر مِمَّا تُصدِّر، تُضعف اقتصاداتِها، وعندها يزداد العجز التِّجاري، وترتفع البطالة، ويتباطأ الناتج المحلِّي الإجمالي، والدُّول التي تمتلك فائضاً نتيجة ارتفاع قيمة صادراتها على وارداتها"، (ميزانها التِّجاري رابح)، تُمارس عوامل خارجيَّة سلبيَّة على شركائها التجاريين، وبالتَّالي تزداد ثروة بعض الدُّول مُقابل تدميرها لاقتصادات شُركائها.

 اعتقد كينز أنَّ مُنتجات البلدان ذات الفائض، يجب أن تخضع للضَّريبة، مثلاً فرض تعرفةً جمركيَّةً عليها، وهُنا نرى التناقض البنيوي في الأيديولوجيا الليبراليَّة التي كانت تُطالب بكسر كلِّ القيود على التِّجارة بين الدُّول، وإلغاء الضَّرائب الجُمركيَّة للمُنتجات؛ لتعبر الحدود وتصل للجَّميع حسب مبدأ المنافسة الحُرَّة والمُطلقة التي تؤمن بها الليبراليَّة ضمن قانونها الأشهر: "دعهُ يعمل، دعهُ يمُر"، وتوصيات جون ستيوارت ميل حول إطلاق اليد دون قيودٍ على حُريَّة التِّجارة، وتأكيده بأنَّ "كُل ما يُقيِّد المُنافسة الحرَّة هو الشر المطلق، وكل ما يُطلقها هو الخير العميم"، هُنا نُلاحظ أنَّ هذا الانقلاب على قيم التِّجارة الحُرَّة لتجنُّب الاختلالات التجاريَّة، وهكذا لم يعُد يؤمن بنظريَّة الميِّزة النسبيَّة، والتي تقوم عليها التجارة الحُرَّة، والتي تنصّ على أنَّ العجز التِّجاري غير مهم، لأنَّ التِّجارة تعود بالنَّفع على الطَّرفين، وهذا يُفسِّر أيضاً رغبته في الاستبدال بالتجارة الدوليَّة، (التِّجارة الحُرَّة) نظاماً تنظيميَّاً يهدف إلى القضاء على الاختلالات التجاريَّة في مُقترحاتهِ بشأن اتفاقيَّة (برايتون وودز)، التي تضرب كل قيم  الليبراليَّة الكلاسيكيَّة.

ومن هنا يُمكن للقارئ أن يُلاحظ التناقض البنيوي في دعوة المفكِّرين الليبراليين الأوائل إلى الأمميَّة والانفتاح العالمي، وإطلاق يد الحريَّة الكاملة للاقتصاد والعمل، واستبداله اليوم بفكر النيوو ليبراليَّة؛ التي تدعو إلى الانغلاق والتقوقع الاقتصادي، وسدِّ الطريق أمام جسور الانفتاح العالمي في التِّجارة، وهذا ملحوظٌ في سياسات الدُّول التي تُسيطر عليها الليبراليَّة المُحافظة، أو النيوليبراليَّة -هنا نقصد الليبراليَّة المتوحِّشة؛ كما يُقال لها في التوصيف الحديث، وليس الليبراليَّة الاجتماعيَّة او الحديثة- فانفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، وعودة سيطرة المُحافظين عليها، أكبر دليل على تراجُع أفكار الليبرليَّة في دول المنشأ لها.

المراقب لوضع الاقتصاد البريطاني؛ يعرف تماماً مدى عُمق الأزمات التي تعانيها بريطانيا، والأمر سيان مع الولايات المتحدة التي انقلبت على أفكارها الأولى في الليبراليَّة الاجتماعيَّة، والتي كانت تُدافع عن حقوق الفرد في العمل والصحَّة والتَّعليم، وحفظ حقوق الأقليَّات والمهاجرين، وتراها تدعو للانحسار والتقوقع القومي، وسدّ أبواب التجارة الحُرَّة معها، وهذا كان واضحاً في سياسات الرَّئيس السَّابق (دونالد ترامب)، تجاه الصِّين، والتجارة الدوليَّة، وخلق صراع مع الدُّول المنتجة التي اعتمدت قيم المُنافسة الرأسماليَّة التي كانت تُحاربها وتُعارضها في وقتٍ مضى، كدولٍ مثل (الصِّين، وفيتنام)، ونرى انقلاب الأدوار، حيث تلعب أمريكا دور المُعارض لقيم الانفتاح التِّجاري، لأنَّه يضُر بمصالحها اليوم، ويُغرق أسواقها، ويضرب إنتاجها المحلِّي بعد أن أصبحت القوَّة الثانية والثالثة، وأدنى من ذلك في تصنيف القوى المُنتجة للسُّوق العالمي، بعد أن تحوَّلت إلى دولةٍ ذات اقتصادٍ ريعي، واقتصرت على إنتاج السِّلاح والسِّينما فقط.

 

النيوليبراليَّة، أو الليبراليَّة الجديدة

كما لاحظنا سابقاً، نجد أنَّ الليبراليَّة الحديثة أو الاجتماعية، كانت أكثر ميلاً نحو تدخُّل الدَّولة في الشِّق الاجتماعي الدَّاعم للمواطن، لأن يحصل على ضمانٍ صحِّي، واجتماعي، وتعليم، وتدخُّل الدَّولة في قطاع الخدمات، ووضع ضوابطاً للسُّوق، وسن قوانين لمنع الاحتكار.

إلَّا أنَّ النيوليبراليَّة Neoliberalism، لفظٌ يُستخدم في الوقت الحاضر للإشارة إلى مذهبٍ رأسماليٍّ يؤيِّد اقتصاد عدم التدخُّل، (أي يُمثِّل تأييد الرأسماليَّة المُطلقة، وعدم تدخُّل الدَّولة في الاقتصاد)، وعدم الاكتراث بالعدالةِ الاجتماعيَّة، وتخلِّي الدَّولة الكامل عن دورها الاجتماعي الدَّاعم للطبقات الفقيرة من مجانيَّة تعليم، ومجانيَّة صحَّة.

وقد التصق مُصطلح النيوليبراليَّة بالليبراليَّة الأمريكيَّة الجديدة، واقتصاد السُّوق بمنظورٍ أمريكي الذي أعاد خصائص السُّوق الحُرَّة المُطلقة دون ضوابط، ولكن ليس لصالح المُنافسة الحُرَّة، إنَّما لصالح الأقوى؛ والذي يستطيع السَّيطرة على السُّوق، حيثُ ثمَّة مُشتركٌ أساسي بين النيوليبراليَّة والفاشيَّة السياسيَّة، من خلال اعتمادها على الداروينيَّة الاجتماعيَّة التي تُمجِّد أشكالاً مُختلفة من مقولة «البقاء للأقوى».

النيوليبراليَّة كما يشدّد المراقبون لها، ليست راجعةً إلى بدايات الفِكر الاقتصادي الليبرالي، فهي لا تسعى للتَّخفيف من الدَّولة، بل زيادتها في مُقابل التَّخفيف من الدَّولة الاجتماعيَّة، فهي تُريد دولةً أمنيَّةً أكثر، وقاسيةً أكثر، بخلاف الليبراليين الاقتصاديين الكلاسيكيِّين.

إنَّ الشَّكل الحالي لليبراليَّة في شِقِه الاقتصادي قد وصل لدرجةٍ من التوحُّش، أصبح معها وجوده مفروضاً على الإنسان، فلا هو اقتصادٌ حُر كما يدَّعي المُنظِّرون، ولا هو توزيعٌ عادل للثَّروة بين أفراد المجتمع؛ بل هي قوانين اقتصاديَّة ودوليَّة لحماية طبقةً ثريَّة في المجتمع، ولا يسمح بسقوطها، بل تُفرض إجراءات تمنع الحِراك الطَّبقي، وهو ما يحوِّل الاقتصاد الليبرالي إلى اقتصادٍ غير عادل، وغير حُر.

 

قيم الليبراليَّة ومستقبل البشريَّة

إنَّ إشارتي السَّابقة للخلل في قراءة الاقتصاديِّين الليبراليِّين، وتناقضهم مع قيم الليبراليَّة التي يدعون إليها؛ ليست سوى تسليط الضَّوء على أنَّ الليبراليَّة ليست نظرية، وإنَّما أيديولوجيا كما أسلفت، وأنَّ الليبراليَّة الاقتصاديَّة لا وجود لها  اليوم، وإنَّ الاقتصاد القائم اليوم هو اقتصاد الشَّركات الاحتكاريَّة، أو ما يُسمَّى اقتصاديَّة الاحتكار لمونوبولي الإمبريالي، أي أعلى مراحل الاحتكار الرَّأسمالي، النِّظام الإمبريالي هو أعلى مراحل الرأسماليَّة، وهو نِظامٌ عقيم غير متوازن يعتمد على الصِّراع بين القِوى؛ مستنداً على نظريَّة أنَّ "رأس المال الكبير يبتلع رأس المال الصَّغير"، وينطبق هذا على مفهوم الدُّول، أي الدُّول الكبيرة تبتلع الدُّول الصَّغيرة، ومن هنا نرى أنَّ العالم اليوم فَقَدَ كُل قِيَم الليبراليَّة، وأنَّ الدُّول ما زالت تتغنَّى بماضي الحُريَّة والاقتصاد الحُر، نجد أنَّ العالم لا ينحى منحى الحُريَّة الاقتصاديَّة، ولا يتعامل وفق قِيَم السُّوق الحُرَّة، والتَّعامل الاقتصادي المبني على قِيَم العدالة، والتكامل، والمساواة، والخير، والفائدة مُشتركة بين الجميع.

 نرى أنَّ اقتصاد اليوم يقوم على الأزمات، وتصدير النِّزاعات العسكريَّة، لأنَّ اقتصاد الاحتكاريَّة للشَّركات المتحكِّمة باقتصاد العالم تقوم على إنتاج مصانع السِّلاح، والتي تقوم على الحروب لتصريف مُنتجاتها، ومصانع الدَّواء التي تقوم على نشر المرض ونشر الأوبئة، وصناعة الاستهلاك، دون قيمةٍ للإنسان، وهذا ما تستخدمه صناعة السِّينما الإمبرياليَّة من صناعة أي شيء يجلب مالاً، حتَّى لو دمَّر أجيالاً من البشر، وشوَّه قيم الأطفال والمجتمعات بقيمٍ لا تمت للحضارةِ الإنسانيَّة بصلة، وتقوم على الشَّهوة والغريزة والقتل، والرُّعب، وأفلام القتل والأكشن والدَّعارة، فأين هي قيم الإخاء والمساواة التي كانت سابقاً في الفكر الليبرالي؟!.

لقد نهشتها مخالب الإمبرياليَّة العالميَّة، والتي داست بأقدام الفيل عُصفور الليبراليَّة الحالم في عصر التنوير، والذي كان صادقاً في نشر العمل، والانعتاق من تقوقع الاقتصاديَّات المنغلقة ضمن مرحلة الاقتصاد الفيودالي، أو الإقطاعي، ودعت لنشر قيم التحرُّر الفكري، وتحرر المرأة، والمساواة، والدَّعم المُطلق للإبداع.

لا يسعنا إلا أن نقول أنَّ الليبراليَّة كأيديولوجيا قائمة على الحُريَّة والمساواة هي صحيحة، وتستحق الاحترام، ولكنَّها في الشِّق الاقتصادي لم تعد موجودةً مهما حاول المُنظِّرون التَّعميم والدَّعوة إليها، إنَّ نمط الإنتاج الكولنيالي الاستعماري، والكومبرادور المالي، والاحتكارات المُتعدِّدة الجنسيَّة للشَّركات القابضة على اقتصاد العالم، لن تسمح لأيِّ اقتصادٍ مُنتجٍ حُرٍ فعَّال أن ينجح، لأنَّه سيكون حجر عثرةٍ أمام أهدافهم، من خلال إطباق الخناق على الدَّول وسرقة قرارتها، وجعلها دولاً تابعةً؛ وأسواق تصريفٍ للمركز، تصريفٍ ثقافي، تصريفٍ مادِّي، تصريفٍ معرفي ورقمي، وتصريف أزمات واحتقانات، وتصريف حروب.

ليت العالم يرجع لعصر التنوير والنَّهضة الصناعيَّة الليبراليَّة، والتغنِّي بقيم المُساواة بين الأمم، ولكن ذلك لن يحصل للأسف، فالتَّاريخ والزَّمن يسير نحو الأمام، وجدليَّة التَّاريخ لا تعود للماضي، وتتقدَّم رغم ما تحمله التطوُّرات من جوهرٍ قد يكون كارثي للبشريَّة والإنسانيَّة، فمهما كان العالم مُرعبا، لن يكون الحل من وجهة نظري بالتغنِّي بما كان؛ وإنَّما العمل لما سيكون.

إذن على البشريَّة أن تدرس خطواتها نحو المُستقبل، وأن تعي حقيقة عقم النِّظام الاقتصادي العالمي الحالي، والبحث عن بديلٍ حقيقي لهُ، نظامٌ يقوم على أساس العدالةِ بين الشُّعوب، والعدالة في توزيع ثروات الأرض بين البشر بشكلٍ عادل، ويرفع قيمة الإنسان كغايةٍ أسمى، ويعتبر المال، والسُّلطة، والدَّولة بكلِّ مؤسَّساتها، ما هي إلا وسائل تافهةً ليست قيِّمة لذاتها، إنَّما خُلِقت وأوجدها العقل البشري من أجل كرامة ورفاهية الإنسان، وأنَّ القيمة العُليا التي لا يُمكن أن تبخس حقَّها هي قيمة الإنسان، وحُريَّته وسعادته، وليس قيمة رأس المال.

 

مقالات متعلقة في قضايا دولية