جبران خليل جبران

جبران خليل جبران، جبران خليل جبران العاشق، مي زيادة، أهم مؤلفات جبران خليل جبران، الاجنحة المتكسرة، النبي، رمل وزبد، حديقة النبي، الهة الارض، يسوع ابن الانسان

  • 328 مشاهدة
  • Jan 28,2022 تاريخ النشر
  • الكاتب طارق منير ناصر الدين
  • ( تعليق)
جبران خليل جبران

جبران خليل جبران

 

نبيُّ الشُعراء، وراهبُ الحُب، مبدعُ الكلمات، وصانع القوافي من رحيقِ الزَّهر، الزَّاهدُ بكلِّ مجدٍ وشُهرة، ولا يَكِل المَجد يُلاحقُ ثوبَ شموخهِ، مسيحيٌّ فخورٌ بمسيحيَّتهِ، لكنَّهُ يَهوى النَّبي العربي، أحَبَّ مجدَ الإسلامِ الحضاري، وحَزنَ لِزوالِ عصورِ الازدهارِ والتنوير فيه، لكنَّهُ أوَّل من رفض تسييسَ الدِّين وإقحامهِ بالحياة المدنيَّة، وطالبَ بفصلِ الدِّينِ عن الدَّولة.

هَو من قال: "أنا شرقيٌّ ولي الفخُر بذلك، ومهما أقصتني الأيَّام عن بلادي؛ أظلّ شرقيَّ الأخلاق، سوريَّ الأميال، لبناني العواطف".

كان الشرقُ موطنَ أحلامهِ، ومسرحَ أمانيه وآماله، وعاشَ فيلسوفاً خطَّ حُروف فلسفتهِ أبيات شِعرٍ وقافية، كان القدِّيس الموثوق، والحالم النَّاسك، امتزجت كتاباته مع الطَّبيعة، فكان الناطق باسم العصافير حين تُغرِّد للحب، وكان المُعلِّم والحكيم، والمبشِّر للسَّلام، أعطى كالشجر المُثمر في بستان المعرفةِ والنُّور، ولم يكن يوماً كباقي البشر؛ يُعطي لمن يستحق فقط، فكان يُردّد دوماً:

"كُن كالطبيعة، ولا تقل سأعطي لمن يستحقون، فهذا ما لا تقوله الأشجار في بستانك، إنَّها تُعطي لكي يتسنَّى لها أن تحيا، فأن تُقَتّر لَهوَ أن تفنى، فالشَّجرةُ لا تسأل من يأكُل من ثمرها، تُعطي كي تُحيي".

هكذا كان جبران النَّبي، قدِّيس الشَّرق، والمُتمرِّد الحُر على كُلِّ طُغيان القبيلة، العاشق الذي أحبَّ دون أن يرى محبوبته ومعشوقته فراشة الأدب العربي المُبدعة (مي زيادة)، فهو من قال:

"مُخطئٌ من يظن أنَّ الحب يحتاجُ إلى لقاءٍ وعِشرة لكي يولد، إنَّهُ لحظةً روحيّة واحدة تجتاح قلبك، فإمَّا أن تَعشقَ وتُحب، وإمَّا لن يحدُثَ هذا ولو بعد زمن".

(جبران خليل جبران)، النَّبي الذي تعمَّد في هيكل الطبيعة بندى الزَّهر في أعالي الجبال والقمم، هوَ شاعرٌ، وفيلسوفٌ، ومصوِّرٌ، وفنانٌ، ورسَّامٌ وكاتبٌ، وأديبٌ عربيٌّ عظيم، عُرِفَ جُبران بالشاعر الأكثر مبيعاً لكتاباته في العالم بعد شكسبير ولاوتسي، لُبناني الأصل، من مواليد شهر كانون الثاني عام 1883، وُلد جبران في عائلةٍ مسيحيَّةٍ مُحافظة في قرية بشرِّي، كان والدهُ يعمل في جبايةِ الضَّرائب، ولم يكن ذلك الرَّجل الذي يُعتمد عليه؛ فكان سكيراً لامُبالياً، وقد سُجِنَ بقضيّة اختلاس، الأمر الذي أدَّى إلى تشُتتَ العائلة، واضطرت والدةُ جبران وقتها للهجرةِ إلى الولايات المتحدة الأمريكيَّة مع بناتها وأولادها، حيثُ استقرَّت في بوسطن عند أقاربها، وما لبث أن عادَ جبران إلى وطنهِ، وقادهُ عِشقهُ للشَّرق منذ صغره إلى العودة للبنان؛ لكي ينهل منها عِلمهُ في اللغةِ العربيَّة، رُغمَ أنَّه كان متفوِّقاً في بوسطن بدراسته، ونالَ إعجابَ الجميع لما يملكُ من عقلٍ فذ، وذِهنٍ صافٍ متَّقد بالذَّكاء.

نمت موهبة جبران في الرَّسم والتصوير، وأتقن اللغة الإنجليزيَّة، وكان مُتميِّزاً في دراسته، لكنَّه اختار لبنان، وفضَّل أن يُكمل تعليمه باللغة العربيَّة، وأن يكون مشرقيَّ التوجُّه في الدِّراسة، وما لبث أن وصل إلى لبنان؛ حتَّى التحقَ بمعهدِ الحكمة في بيروت، وكانت مرحلة عودته من أمريكا حاسمةً، زرعتْ بذورَ حُبِّ الشعر واللغة العربيَّة في نفسِ جبران الرقيق المُبدع.

 ولِتكتَمِلَ صدفةُ أنَّ أعظم المُبدعين عبر التَّاريخِ خُلِقوا أيتاماً، أو عَاشوا أيتاماً، فكانت صاعقة موت أخوي جبران بتليُّف الكبد والسل، ثم ما لبثت أن فارقت أمَّهُ الحياة بعد فترةٍ وجيزة بسبب مرضها بالسَّرطان، تلك الفاجعة التي قصمت ظهرهَ، فاجعةٌ حفرت في نفسِ جبران، وجعلت روحه مُتكسِّرةً؛ رغم ما لها من جناحي عنقاء لا تعرف الهزيمة ولا الاستسلام.

عاد جبران لبوسطن مُضطَّراً من لبنان بسبب وفاة أهله، وفَجَّرَ حُزنه إبداعاً؛ وصعَّد حالة اليأس إلى حالة استثنائيَّة من البوح والكتابة، وفي هذه المرحلة من حياة جبران، تعلَّق بالتصوير الفوتوغرافي، حتَّى غدا مُحترفاً، وأقام معرضاً له، ثُمَّ ما لبث أن دخل عالم الصَّحافة والإعلام؛ بعد أن تعرَّف على الكاتب الصحفي (أمين الغريب)، مؤسِّس صحيفة المُهاجر، حيث نشر جبران أهمَّ مقالاته الأدبيَّة فيها، بدايةً من مقالته الأولى ذات الصدى الواسع (رؤيا)، إلى مقالاتٍ فيها من الإبداع والوجد، والكمَّ الزَّاخرَ من المضمون العميق جِدَّاً، وقد نُشِرت هذه المقالات على شكلِ سلسلةٍ حملت عنوان (رَسائلُ النَّار)، إضافةً للكثير من المقالات التي ضجَّت بالمعرفة، والفنون، والموسيقى، والأدب والشِّعر.

خطّ جبران الرَّسام الساحر، والمصوِّر المُتألِّق بعينٍ مُدركةٍ للجَّمال؛ أيقوناتٍ من الفنِّ الأخّاذ، وقد سرّعت موهبته الفنيَّة بالرَّسم خُطاه للانتقال إلى فرنسا، واستقرَّ في باريس عاصمة الفنون والرَّسم، وهناك أبدع ورسم وصوَّر، وجالت مَلكَاته في شتَّى الإبداعات، إلى أن نشر معرضاً مُهمَّاً له في باريس، كان له صدى أدبي بين الصالونات الثقافيَّة في الغرب والشَّرق حينها.

لم يكتفي ذلك الاستثنائي بالرَّسم والتصوير، والكتابة والشِّعر والأدب؛ فراح يُجدِّد الفكر العربي، وينحت لهُ حاضراً عالميَّاً تتفاخر به العَرب، وتنهل منه جميع الحضارات من أدبٍ ومسرح، وشعر وفلسفة وفكر.

لقد كان جبران خليل جبران الأكثر تأثيراً  في عصره، ودون مبالغةٍ أو استعارةٍ مجازيَّة لعظمته، وكانت أعماله حول العالم ثاني وثالث أكثر انتشاراً بين الشُّعوب، بعد أعمال شكسبير ولاوزي، والأكثر ترجمةً بين لغات الأرض، وثاني أكثر مبيعاً حول العالم بعد شكسبير، وكان كتابه (النَّبي) الكتاب الفلسفي الأدبي الذي أسَّس لمدرسةٍ جبرانيَّة حَفَرت عُمقها في أصلِ الفنون والأدب، أخالهُ خامس أكثر الكُتَّاب شهرةً وقراءةً بعد (الإنجيل، والقرآن، ورأس المال، وهكذا تكلَّم زرادشت).

قام الأديب العظيم جبران خليل جبران برفقة أعمدة الأدب المهجري والعربي: (ميخائيل نعيمة، ونسيب عريضة، وعبد المسيح حدَّاد)، بتأسيس (الرَّابطة القلميَّة)، التي كان لها أثرٌ في الحركة النهضويَّة العربيَّة فيما بعد، ولها دورٌ رائدٌ في تجديد الأدب العربي، والارتقاء به وحمايته من الطَّمسِ والاندثار، وترجع فكرة الرَّابطة بالأصل إلى جبران؛ ذلكَ المُتمرِّد على الجَّهل والموروث القديم، ولكنَّهُ كان مشرقيَّاً عريقاً، أبدع باللغة وطوَّر فيها، وكان مُجدِّداً وحافظاً لعراقتها.

 

جبران العاشق

لم يكن جبران رغم كل ما يملك من عاطفة ورِقَّة إحساس؛ مزواجاً أو ميَّالاً للعلاقات العاطفيَّة الكثيرة كباقي الشُّعراء أو الكُتَّاب، تأثَّر في بداية حياته بالكاتبة الفرنسيَّة (ماري هاسكل)، التي كانت تكبره بعشرة أعوام، وقد رعته ماديَّاً ومعنوياً، حتَّى بدى على جبران أنَّه من أغنى الأدباء في مرحلة حياته، وظهر كأنَّه من أثرياء الشَّرق، فطلبها للزَّواج، إلا أنَّها رفضته لفارق السن الكبير بينهما، حيث آثرت مصلحة جبران على عِشقها لهُ، ورفضت زواجها منه.

حياته العاطفيَّة لم تكن عاصفة، فلم يُعرف عَنهُ علاقته بالنِّساء سوى علاقة حُبٍّ واحدة استمرَّت لسنوات، إلا أنَّها أعظم علاقة حُب عرفها القرن العشرين، والتي جمعته مع الأديبة الفلسطينيَّة المصريَّة (مي زيادة)، فراشة الأدب العربي، والتي كانت تُقيم في العاصمة المصريَّة القاهرة في ذلك الوقت، فقد جمعتهم علاقة حُبٍّ عُذري أشبه بحكايات الخيال، حُب استمرَّ عشرون عاماً من الإخلاص والعِشق والشجون، ولم ينتهِ إلا مع موت جبران عام 1931، لتبقى مي زيادة بعد جبران؛ مُخلصةً للحُب الخالد بينهما، وتلحقه للدَّار الآخرة بعد عشرة أعوامٍ من العذاب والوحدة والمُعاناة، حيث توفيت عام 1941م.

لم تلتقِ مي بجبران طيلة العشرين سنة، ولم ينقطعوا يوماً واحداً عن المُراسلات فيما بينهما، فقد جمعتهما القضيَّة، والانتماء، والأدب، والشِّعر، والثَّقافة، والحُب، والتصوُّف بحبّهما حدود العبادة، ولم يتزوَّج جبران أبداً، بعد أن رفضت مي الزَّواج منه خوفاً من ابتعادها عن القاهرة، وعن حدود فلسطين، والغربةِ إلى أمريكا، وكذلك بقيت مي عازبةً طيلة حياتها؛ رغمَ عروضِ الزَّواج التي لا تُعدّ، والكثيرون من طالبي الود والتقرُّب منها.

 

أهم مؤلَّفات جبران

كان جبران مُفكراً عميق الرُّؤيا، واضح الفكر، تأثَّر بالفكر التحرُّري في الغرب، وامتزجت ثقافته بين حضارتين مُتناقضتين؛ مِمَّا أشعل بعقله التمرُّد على كُل ما هو مُتخلِّف ورجعي في الشَّرق، وبنفس الوقت متمسِّكاً بعراقة الشَّرق وقيمه، وعُمق حضارته في الوعي الإنساني، كتب فأبدع، وانتصر بقلمه ليُعلن سموَّ الخير على الشر، وسموِّ العدل، كان مُبدعاً يَعرِف كيفَ يَثور ليَهدم جبروت الخِواء، ويُحطِّم أصنام الجَّهل في هذا الشَّرقِ؛ ثم يُعاود البناء بطريقةٍ سليمة، وبعين ناقدٍ، وريشة ساحر، وحَرفٍ مُخلص، نعم كان ناقداً وكاتباً وشاعراً، ورسَّاماً ومصوِّراً قلَّ مثيله، كتب باللغتين؛ فأتقن وأبدع بالإنجليزيَّة، كما نشر بالعربيَّة أجمل رواياته وقصائده، وعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر بعض مؤلَّفات شاعرنا العظيم:

  •  الأجنحة المتكسِّرة 
  • الأرواح المُتمرِّدة 
  • النَّبي 
  • رمل وزبد 
  • حديقة النَّبي 
  • آلهة الأرض
  • يسوع ابن الإنسان
  • عرائس المروج

وغيرها الكثير من القصائد والرِّوايات والمقالات الأدبيَّة والإبداعيَّة، فكان بدون مُنازع مجدِّداً للأدب العربي، وعَلَماً فكريَّاً قلَّ نظيره، وذاع صيته في كلِّ أصقاع الأرض.

 

صومعة ومتحف جبران

جبران الفريد من نوعه، والظَّاهرة الأدبيَّة المُتميِّزة، كُنتُ أصفهُ دائماً يسألني أحدٌ ما عن رأيي به، فأقول: إنَّهُ الاستثنائي دون مُنازع، عِلمانيَّ العقل، مؤمن النَّفس، ناسك القلب، صوفيُّ الهوى والرُّوح، عاش حياته موحِّداً عاقلاً حكيماً، فكان النَّبي جبران مبشِّراً بديانات الحُب والسَّلام؛ وغدا رسولاً لها، يُبشِّر فيها بِكلِّ لُغات الأرض التي عَرفتهُ بجهاتها الأربع، وتُرجِمَت مؤلَّفاته لأكثرَ من أربعين لغةً.

كان جبران استثنائيَّاً بِكُلِّ تفصيلٍ في حياته حتَّى مماته، وأن تكون محبسة الدِّير مدفنه الأخير، وعندما توفِّي، ابتاعت شقيقته الدِّير، ودُفِنَ في محبسته؛ فقد كانت أمنية جبران منذ شبابه أن يعيش بديرٍ خاصٍ له، مُنعزلاً متوحِّداً مع الطَّبيعة، "قد أختار دير مار سركيس، آملاً أن يكون صومعته"، ولم يكُن له ما تمنَّى إلا بعد وفاته، حيث قامت أخته مريانا بشراء الدِّير القديم  المذكور، وغدا مسكنه الأخير.

وكم هو موجعٌ ذكر مماتك يا جبران، وكأنَّك اخترت الموت على درب الوجع ذاتهِ الذي سلكه أخويك، حيث أنَّ جبران توفِّي بمرض السِّل كأخويهِ الصغيرين، قدرٌ موجعٌ جمعَ جبران وإخوته في موتٍ متشابه.

 رحل النَّبي ظِلاً وجسداً، وبقي روحاً لا تُفارق أحبابها، ولا من زارها، فإذا ما حاولت عزيزي القارئ زيارة ضريح جبران، عليك أن تعلم أنَّه كالقدِّيسينَ والأنبياء، يَنشُرُ فيك الطمأنينة، فالمحبسة أو مدفن جبران اليوم كان مغارةً قديمةً تعاقب عليها الرُّهبان منذ القرن السَّابع الميلادي، مغارةً نقشت عراقتها منذ قرونٍ طويلة بصخر جبال الأرز؛ متربعةً كتاجٍ في وادي (قاديشا المُقدَّس)، إلا أنَّ وجود ضريحه في هذا الدِّير -الذي تحوَّل فيما بعد، وتحديداً عام 1994 إلى متحفٍ يستقبل الزوَّار من كلِّ أصقاع الأرض- أضاف قداسةً وخشوعاً للدِّير والمحبسة التي غدت مدفن جبران، رسوم جبران، وأشعاره وطاولته، ومعدَّاته الشخصيَّة، حتَّى تَختهُ وحِرامهُ، ومِخدّتهُ التي تُشعِرُك أنَّ جبران كان هنا مُنذُ لحظات، حوَّلته إلى أكثر من معبدٍ أو متحف، فتخال نفسك في صومعة نبيٍ وقدِّيس!

قشعريرةٌ وخدرٌ تسري في جسدِ الزَّائر، حيث أنَّ روح جبران لا تُفارق المحبس، وحتَّى صوته إذا أصغيت بصمتٍ فإن صدى الصَّوت؛ صوت جبران لن يخذل مسمعك، فجبران لن يدعك تذهب دون أن تمسَّ روحه قلبك، كما مسَّتك سابقاً كُتُبه وأفكاره ولوحاته، فعلى يسار القبر تماماً جُملةً محفورةً بخطِّ يدهِ، أوصى أن تُنقش على قبره، فيقول لك مُستقبلاً ومودِّعاً في الآن ذاته:

"أنا حيٌّ مِثلك، وأنا واقفٌ الآن إلى جانبك، فاغمِضْ عينيكَ، والتفت... تَراني أمَامَك".

مقالات متعلقة في مشاهير واعلام