القلم الثائر غسان كنفاني

غسان كنفاني، الكاتب غسان كنفاني، حياة غسان كنفاني، انجازات غسان كنفاني، سبب اغتيال غسان كنفاني، رجال في الشمس، أرض البرتقال الحزين، استشهاد غسان كنفاني

  • 665 مشاهدة
  • Jun 30,2021 تاريخ النشر
  • الكاتب Ghada Halaiqa
  • ( تعليق)
القلم الثائر غسان كنفاني

القلم الثائر (غسان كنفاني)

غسَّاان كنفاني، الأيقونة الثائرة التي تحوّلت إلى رمز يزداد تألُّقاً مع مرور الأيَّام والأعوام برغم طول الغيااب، الكنفاني بحق الغائب الحاضر في كلّ وقت، غسّان الذي جسّد أسطورة العنقاء التي يتجدّد ميلادها بعد كل احتراق فكان العنقاء، إنّه القلم الثّائر والكلمة الحرّة التي أرهبت الأعداء.

 

فوضعوا الخطط وجندوا جيشاً لتصفيته، ظانين بهذه الفعلة بأنّ صوت غسّان سيسمط إلى الأبد، ولكنّ خططهم سقطت منذ لحظة التفجير الذي دوّى باسم غسان في أرجاء العالم، ودبّت الروح في كلماته الصامتة المتناثرة على الأوراق هنا وهناك، فجمعت شتاتها وشكلت من جديد جسد غسان المفتت، ليهزم الموت وينطلق حُرّاً خالداً حتّى يومنا وغدنا البعيد.

 

الكنفاني هو الأديب والصحفي الفلسطيني الذي التحم اسمه بقضيّته التي عاش لأجلها ومات في سبيلها، الكنفاني هو الذي حدّد مسار بوصلته إلى وطنه السليب فلسطين الذي أُخرِجَ منه هو وعائلته عنوةً بعد النكبة الفلسطينيّة، فبقي مُتمترساً صامداً بروحه على حدود الوطن بكلِّ ما أوتي من أدوات النضال التي تسلح بها، فكان فكره  هو بوصلته.

 

وورقته هي خنجره، وأمّا قلمه فكان الرّصاص، حتّى تحوّلت تلك الأدوات إلى رشاشٍ وبندقيّة باسم القضيّة، سبيلها فلسطين، ورسالتها العودة مهما كلان الثمن، هذه الرسالة التي أدركها الكيان، فكان غسّان هو الهدف الأوّل لنيرانهم.

 

السِّيرة الذاتيّة لغسان كنفاني

ولد الكنفاني في خضم الثورة على الإنجليز؛ في الثامن من نيسان عام 1936 في عكّا شمالي فلسطين، انتقلت عائلته بعدها إلى يافا حتّى عام النكبة، فقد خرجوا منها لاجئين باتجاه جنوبي لبنان عام 1948، ومنها انتقل غسّان إلى سوريا، وهكذا بدأت حياة اللجوء المريرة والقاسية على الشعب الفلسطيني المُهجّر بشكلٍ عام، وعلى حياة غسّان كنفاني.

 

 وقد انعكست أحداث هذه الحياة الشّاقة على أعماله الروائيّة وكتاباته الصحفيّة طوال حياته القصيرة، والتي كانت حصيلتها ثمانية عشر كتاباً، إضافة لمئات الدِّراسات والمقالات التي تتحدّث في مجملها عن كفاح شعبه على الأرض وخارجها.

 

أكمل الكنفاني دراسته الثانويّة في العاصمة السوريّة دمشق، ودخل كليّة الأدب العربي في جامعة دمشق، لكنّه فُصل منها بسبب نشاطه السياسي، وجاء هذا الفصل نتيجة  انضمامه إلى (حركة القوميين العرب) بعد لقائه بـ (جورج حبش) عام 1953.

 

غادر الكنفاني دمشق متجهاً إلى دولة الكويت، حيث عمل كمدرّس للمرحلة الابتدائيّة، إضافةً إلى أنّ إقامته في الكويت كان لها دورٌ مهم في صقل شخصيّة غسان كنفاني الأدبيّة والفكريّة، قفل بعدها راجعاً باتِّجاه العاصِمة اللبنانيّة بيروت، وعمل في مجلّة (الحريّة) التَّابعة للحركة، تسلّم بعدها رئاسة التحرير في جريدة (المُحرّر)، ومنها انتقل للعمل في جريدة (الأنوار)، وإبان تأسيس الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، قام الكنفاني بتأسيس مجلّة (الهدف)الناطقة باسم الجبهة.

 

تزوّج غسان كنفاني من السيّدة (آني هوفا)، وأنجب منها فايز وليلى، وقد أصيب خلال سنٍ مبكّرة بمرض السُّكري، إضافةً لإصابته بالرَّبو.

 

حياة غسّان الأدبيّة والنضاليّة

 

إبان فصل غسّان كنفاني من جامعته بسبب نشاطاته السياسيّة، غادر دمشق باتجاه الكويت، ومنها عاد إلى بيروت لتبدأ من هناك مسيرته الأدبيّة والسياسيّة، وكان غسّان كنفاني خلال مسيرته تلك قد اعتنق المباديء الشيوعيّة، وقد صرّح في حوارٍ أجري معه عن هذا الموضوع قائلاً:

 

"يُمكنني القول بأنَّ حركة القوميين العرب كانت تشمل بعض العناصر الشابة - وكنت من ضمنها - التي كانت تسخر من حساسية الكبار في السن تجاه الشيوعيَّة، وبالطَّبع لم نكن يومها شيوعيين، ولم نكن نُحبِّذ الشيوعيَّة؛ غير أنَّ حساسيتنا ضدَّ الشيوعيَّة كانت أقل نِسبةً من حساسيَّة المتقدِّمين في السِّن.

 

 وبالتَّالي لعِب الجِّيل الجديد دوراً بارِزاً في تطوير حركة القوميين العرب؛ إلى حركةٍ ماركسيَّة – لينيَّة، وكان العامل الأساسي في ذلك كون غالبية أعضاء حركة القوميين العرب من الطَّبقة الفقيرة، أمَّا الأعضاء المُنتمون إلى البورجوازيَّة الصَّغيرة، أو البورجوازيَّة الكبيرة، فقد كان عدَدهم محدوداً، وقد اطَّلعت على الماركسيَّة في مرحلةٍ مُبكِّرة؛ من خلال قراءاتي و إعجابي بالكُتَّاب السوفيات".

 

هذا وقد تسلّم غسّان إدارة صحيفة (الرّأي) الكويتيّة، وبدأ فيها بكتابة تعليقات سياسيّة مذيّلة باسم (أبو العز) التي لفتت أنظار القرّاء هناك، ومن باكورات أعماله القصصيّة التي قام بكتابتها ونشرها في صحيفة الرّأي، (ورقة مِن الرّملة، وورقة من غزّة، وورقة من الطّيرة، وإلى أن نعود، ودرب خائِن، وأرض البرتقال الحزين، والقميص المسروق).

 

إقامته اللاحقة والدائمة بعد الكويت كانت في بيروت، التي اطّلع فيها على كافّة التيّارات السياسيّة والأدبيّة عن كثب، حتّى تحوّل شخص غسان لفرط نشاطه الأدبي والسياسي إلى مرجعٍ للمُهتمين بتفاصيل القضيّة الفلسطينيّة.

تزوّج غسان بالناشطة الدانماركيّة التي أبدت اهتماماً بالقضيّة الفلسطينيّة (آني هوفر) بعد عشرة أيّامٍ فقط من لقائهما، فكانت بحق زوجة ثائر، قامت بعدها بتنظيم حياته العشوائيّة، وساعدته في توفير المواد اللازمة لدراسة أدب المُقاومة في فلسطين المُحتلّة، وساندته في لحظات الضّعف والقوّة، فكانت نعم الزّوجة ونعم الأم.

 

كان عام 1962 عاماً قاسياً لغسّان، فقد اضطرّ إلى الاختفاء والتوقّف عن النشر في الصحف والمجلات اللبنانيّة، لأنّه لا يملك الوثائق الرسميّة، وقد استغلّ هذا الوقت في كتابة باكورة أعماله الرِّوائيّة (رجالٌ في الشّمس)، ألقى الضوء فيها على حالة الخنوع والاستسلام التي مرّت على الشّعب الفلسطيني في ذلك الوقت، سواء كانوا قي الدّاخل أو في المنفى.

 

وصدرت روايته الثانية عام 1966، وتحمل عنوان (ما تبقّى لكم)، وفي نفس العام نشر دراسته الشّهيرة (أدب المُقاومة في فلسطين المُحتلّة 1948-1966).

في العدد الأوّل من مجلّة الهدف الأسبوعيّة عام 1969 التي كان غسان رئيس التحرير فيها كتب يتحدّث عن أهداف المجلّة، وأعلن:

 

"رفضها لكُلِّ الصِّيغ العاجِزة المتَّخذة حيناً طابع المُساواة، وحيناً طابع المهاودة، وحيناً ثالِثاً طابع الوسطيَّة، وهي تعتنق هذا الرّفض الثَّوري أساساً للمعركة المصيريَّة، إنَّما تأتي رداً على الصِّناعة الإعلاميَّة العربيَّة التي أسقطتها القيم التجاريَّة وقيم المُجتمع المُنهار، وفي دوَّامة العجز والفشل، وأنَّها لن تسمح لِمواقف الارتِجال والانفعال والمزايدة أن تحلَّ مكان موقف الموضوعيَّة والعلميَّة".

 

استشهاد غسان كنفاني

 

في صبيحة الثّامن من حزيران من عام 1972، خرج غسّان كنفاني برفقة ابنة أخته لميس التي حضرت من الكويت للدراسة في الجامعة الأمريكيّة في بيروت، وكان يودّ أن يقلّها إلى الجامعة للانتهاء من إجراءات التسجيل، وما أن ركبا السيّارة وأدار المحرّك، حتّى دوّى انفجارٌ زلزل بيروت، فقد قام جهاز الموساد الصهيوني بزرع عبوّةٍ ناسفة حوّلت السيّارة إلى شظايا، وجسدي غسّان ولميس إلى أشلاء تناثرت في كلِّ مكان، قالت آني زوجة غسّان عن تلك اللحظة:

 

" بعد دقيقتين من مُغادرة غسَّان وَلميس ـ ابنة أخته ـ سمعنا انفجاراً رهيباً، تحطَّمت كُلّ نوافذ البيت، نزلت السُّلم راكضةً لكي أجد البقايا المُحترقة لسيَّارته، وجدنا لَميس على بُعد بضعةِ أمتار، ولم نجِد غسَّان، ناديت عليه، ثمَّ اكتشفت ساقَهُ اليُسرى، ووقفت بِلا حِراك".

 

وهكذا رحل غسّان، أو بمعنى أدق تجدّد ميلاده في رحلة خلودٍ أبديّة، وفي يوم الجنازة (الوداع الأكبر)، شهدت مدينة بيروت تجمهراً لم يشهد له مثيلاً، فقد كانت جنازته عِبارة عن أكبر تظاهرة سياسيّة تشهدها المدينة، سارت الجماهير ودفنت بقايا غسّان في مقبرة الشّهداء هناك.

 

اغتيال الكنفاني بهذه الطّريقة البشعة هي أكبر دليل على ضعف الكيان ووضاعته، فمعروفٌ أنّ الكنفاني لم يحمل يوماً أيّ سلاحٍ أو بندقيّة، ولم يقف في جبهات القتال، لكن الرّعب الحقيقي لأي دولة معتدية تتمركز في العقول التي تُفكّر، والأقلام الحرّة التي تكتب.

 

وهكذا يمضي غسّان في صبحة نهارٍ صيفي دون أن يلوّح لأحد، كان رحيله مدوياً كما كانت كل حياته عواصف هوجاء.

مقالات متعلقة في مشاهير واعلام