علم اجتماع العلوم الصّورة الاجتماعيّة الفلسفيّة لابن خلدون

نظريّة ابن خلدون في علم الاجتماع، وموضوعات علم الاجتماع، واسهامات ابن خلدون في علم الاجتماع، ومفهوم علم الاجتماع، ومؤسس علم الاجتماع، وكتب ابن خلدون

  • 581 مشاهدة
  • Jun 27,2021 تاريخ النشر
  • الكاتب Ghada Halaiqa
  • ( تعليق)
علم اجتماع العلوم  الصّورة الاجتماعيّة الفلسفيّة لابن خلدون

علم اجتماع العلوم، الصّورة الاجتماعيّة الفلسفيّة لابن خلدون

تمّ العثور على اتجاهٍ جديد في العصور الوسطى من قبل ابن خلدون، والذي يُمكن اعتباره تنظيراً لتاريخ العلم في سياق الأحداث الاجتماعيَّة والسياسيَّة، كما أنَّه خلق تقريراً تاريخيَّاً للعلوم من القرن السَّابع إلى القرن الرَّابع عشر الميلادي، إنّه ليس مجرَّد تاريخ للعلم، ولكنَّه يصوِّر مسار العلوم الإنسانيَّة في هذه الفترة في إطار الفلسفة وعلم الاجتماع، فقد قدّم ابن خلدون صورةً فلسفيَّة عن العلوم الإنسانيَّة، من جهة هو علم اجتماع العلوم وفي مجال الإدراك، ومفهوم العلم في الحضارة الإسلامية.

 

تقرير العلوم الإنسانيَّة هو أوَّل دراسة منهجيَّة لطبيعة تاريخ العلوم، والتي توضِّح المسار التاريخي للعلوم الإنسانيَّة.

 

درس ابن خلدون مجموعة من العلوم الإنسانية في كتابه "المقدِّمة"، وتضمّن البحث في العقل البشري، علم النفس، الميتافيزيقيا، الصِّناعة، علم التربية، التَّاريخ، المجتمع، المدينة، القرية، المؤسسات الإدارية والانتماءات السياسية، السُّلطة، العلوم السياسيَّة، الخط، الرَّسم البياني والحضارة، الفلسفة، اللاهوت، الحضارة، الثَّقافة، العادات، العلوم الغريبَّة مثل علم الآداب والسحر، الكيمياء، الدِّين، العلوم الدينيَّة، اللاهوت وفلسفة الدِّين.

 

 وحساب التفاضل والتكامل الرياضي، وعلم الفلك والأدب، وعلم تاريخ العلم والفن، وعلم الحضارة. ومن أهمِّ مواد المقال منهج ابن خلدون في علم العلوم التاريخي والاجتماعي، حيث أنّه يذكر أولاً موضوعاته من خلال تقديم تعريف محدَّد لكل علم وتطوَّره، فهذه الصّورة لها وجه وطبيعة فلسفيَّة يُمكن أن يفهمها عامَّة النَّاس بعقلانيَّة.

 

تأسيس علم الاجتماع ومصيره

هُناك العديد من الأعمال السوسيولوجيَّة الكميَّة والنوعيَّة لابن خلدون حول المواد التاريخيَّة، والتي جعلت مُعظم علماء الاجتماع المعاصرين، وخاصَّةً المدرسة الأمريكيَّة لعلم الاجتماع، يُعيدون بداية الدِّراسات الاجتماعيَّة لابن خلدون، أمّا عمله الفكري هو المرحلة الثانية من الطّريقة والتفكير العلمي حول المواد التاريخيَّة.

 

لقد قام ابن خلدون بالتَّفكير في التَّاريخ في العصور الوسطى، لكنَّ بعض العلماء ما زالوا يعتقدون أن هناك فجوة بين العصور القديمة والحداثة، يقول (جان فرانسوا دورتييه) وهو من علماء الإنسانيات المعاصرون، إنّه منذ ثيوسيديدس وهيرودوت من العصور القديمة إلى العصر الحديث، توقَّف التأريخ وعاد إلى الوراء، بينما من وجهة نظر العالم.

 

 فإنّ لم تاريخ التأريخ لم يتوقّف في العصور الوسطى وقبل نهضة الحضارة الإسلامية، مستندين في هذا الأمر إفى مثالٍ فريد من المؤرِّخين وهو ابن خلدون، الذي وصل إلى نقطةٍ في شرح التاريخ الذي تجاوز بها الأسلوب اليوناني والرّوماني، حيث كان أوَّل مؤرِّخ يحاول ذلك، فقد قام  بشرح التاريخ بأسبابٍ طبيعيَّة.

 

 

بادر العلماء إلى تسمية المنهج الجديد لابن خلدون في العلوم الإنسانية باسم (علم الاجتماع)، حيث الذي قام ابن خلدون بالتحقيق في تقارير ثمانية قرون من الإنسانيَّة في العصور الوسطى، وقدَّم هذا الشكل الأحدث من العلوم الإنسانية، ويعتبر هذا الشكل جسرٌ علمي يربط بين الفترات القديمة والحديثة.

كان هدف ابن خلدون من تأسيس علم التاريخ وعلم الاجتماع، والذي أسماه (العلوم المدنيّة)، هو استخراج قواعد التَّاريخ لإعادة الإعمار في المستقبل.

 

تململ عملي بين التقدّم والنِّظام

إنّ أهم مناقشة اجتماعيّة هي دراسة نتائج الحداثة أثناء التغيير الاجتماعي، وهناك ثلاث مشاكل تتعلّق بالمسألة للنظرية النقدية، في مقدِّمتها عواقب الأزمة السياسيَّة الناجمة عن اضطراب النظام الاجتماعي، والفصل بين النِّظام والتقدّم، (ما بعد الحداثة) هو أحد المفاهيم الاجتماعيَّة والسياسيَّة في مجال الفلسفة الغربيَّة الحديثة التي حددها العديد من علماء الاجتماع المعاصرين.

 

 حيث يرتبط التقدُّم والتطوّر في العصر الحديث وما بعد الحداثي بمعامل الفوضى والأزمات، وتنشأ هذه الأخطار والأزمات عند التعامل مع حالة ثقافة العولمة والثقافات المحليّة، وبهذه الطَّريقة أقرَّ بعض علماء الاجتماع المعاصرين بوجود أزمة في طبيعة الحضارة، وهذه علامة على فشل العلوم الإنسانيَّة في الغرب في إقامة نظامٍ اجتماعي مُستدام، فهذا اعترافٌ للفكر الغربي بآثار الحداثة، وأحدها استحالة التنمية المستدامة.

 

 لم تتشكَّل الخلفيَّات والأسس النظريَّة نفسها في التفكير، وتشكَّلت أزمة متأصِّلة بسبب عدم التجانس بين الأدوات الفلسفيَّة واللاهوتيَّة والميول الميتافيزيقية، وهذه العلاقة بين أزمة المعنى في عالمٍ متحضِّر للغاية، والبلدان المتقدِّمة والنِّظام الاجتماعي، فقد نظر إليها العديد من علماء التأريخ المعاصرين في الغرب المسيحي، الأمر الذي خلق أزمةً سياسيَّة أخلاقيَّة كُبرى حتَّى في مُعظم الدول المتحضِّرة، وقد ظهرت هذه الأزمة التي وصفت بأنّها (أزمةً فوضويَّة) في عالم الفكر.

 

يدّعي الباحث الأوروبي المعاصر أن سبب الفوضى في المجتمعات الغربية هو فقدانهم للاختيار الفلسفي، وأنَّ المخرج من الأزمة هو الاستمرار في التحرُّك وفقاً لفلسفة الوضعيَّة، وهناك ثلاثة أشكالٍ غير مُتجانسة للفلسفة، والفلسفة الوضعيَّة، والفلسفة اللاهوتيَّة، والفلسفة الميتافيزيقيَّة، وهذه الأشكال التي توجِّه الشؤون الإنسانية، ينتج عنها تعايشٌ مربك، وتنتج كل من هذه الفلسفات نوعاً من النِّظام الاجتماعي، ولكنَّ تعايشهما يحيد بعضها عن بعض، وبالتالي يجعل من المستحيل إقامة النِّظام.

 

نموذج ابن خلدون للخروج من فوضى الأزمة الفكريّة للأمم المتحضِرة

قام ابن خلدون بحل الأزمة في الأسس النظرية، وذلك بالاعتماد على فلسفة ابن رشد التي جمعت بين الدِّين والعقل، وتناولت أيضاً الجذور النظريّة لهذه الفترة التاريخيَّة في شكل مزيجٍ من الفلسفة والميتافيزيقا واللاهوت، إضافةً للملاحظة العلميَّة.

 

أما بالنِّسبة للنظام الاجتماعي في مجتمعات ابن خلدون المستهدفة، أي المجتمعات الإسلاميِّة في العصور الوسطى، فعلى الرَّغم من أنَّ ابن خلدون هو أحد معارضي الفلسفة، إلا أنَّه اعتبر نفسه باحثاً في أعمال ابن رشد وأتباع ابن رشد.

 

 وذلك في طريقة تفكيره القائمة على فكرة الجَّمع بين الدِّين والفلسفة، حيث درس في كتابه (الحضارة الإسلاميَّة) بنفس الطريقة، ونظر إلى الحضارة والدِّين بعين العقل والدين، وهذا الرأي له نفس الأساس النظري للجّمع بين قوّة الدِّين وقوَّة الفلسفة ليس فقط علمانيًا، بل بالاستناد إلى الفلسفة الوضعيَّة.

 

تدور الكثير من التَّقارير حول تطوير الانضباط التربوي والنِّظام السياسي في المجتمعات، وذلك من خلال اتباع نهج إيجابي في العلوم الإنسانيّة، لذلك فقد اعتَبِر التَّعليم صناعة، وتحدَّث أيضاً عن الإدارة والنِّظام الاجتماعي، وجمع بين التقدُّم والتطوُّر مع العناية الإلهيَّة، ولخَّص بين التقدُّم والنِّظام في نمطٍ متجدِّد، وإضافة حلَّه لأزمة المعنى في الحضارة هو من خلال الانتباه إلى منصب الوكيل الدِّيني للعناية الإلهية، وكانت النتيجة أنَّ الفلسفات الوضعيَّة لم تكن قادرة بعد على إقامة نظامٍ دائم.

 

 ولا يزال الفكر الغربي يُعاني من الفوضى والأزمات، وكما قال الباحث المعاصر (فيليفيت)، فإنَّ ضرر الحضارة الغربيَّة هو أزمة هويّة وفكر ومعنى في التاريخ، إضافةً إلى أنَّ المعنى غير واضح في التاريخ، والبشريَّة مرتبكة لإيجاد المعنى الصَّحيح، وحتَّى الآن ثبت أن الفلسفة الوضعية والتي تبلغ من العمر عدَّة قرون .

 

 لم تستطع إنقاذ الحضارة من الفوضى، لأنَّ هذه الفلسفة تقوم على القضاء على الدين، في حين أنَّ الدين جزء من الحضارة في نظريَّة ابن خلدون الاجتماعيَّة، حيث أنَّ الدين هو أحد العوامل في حركة التاريخ.

 

مدرسة فرانكفورت بين النقد والأزمة الفكريّة والإصلاح الحضاري

التحليل الفلسفي للحضارة في مدرسة فرانكفورت هو بالضّبط الطريقة التقليديَّة لابن خلدون وهابرماس، الفلاسفة وعلماء الاجتماع المعاصرين في (هوركهايمر) في مدرسة فرانكفورت يقولون في نظريتهم النقديَّة حول "التحرُّر البشري" في ظروف القيمة والدِّين والتاريخ والتقاليد بناءً على رأيهم، بأنَّ ضرر الحضارة الغربيَّة المعاصرة هو إزالة الدِّين من الحياة الاجتماعيَّة.

 

 وتسعى هذه النظريَّة إلى توفير حل للتفكير في عصر فشل أي نظامٍ فلسفي، مثل الشيوعيَّة، ديالكتيك أو جدليّة التنوير، أفكار الرأسماليَّة، وعدم كفاءة الليبراليَّة من خلال عدم قدرتها على تحليل الأحداث المجتمع والتاريخ، لقد اعتبرها قادة هذه النظرية بأنّها (نظريةٌ تقليديَّة)، والنَّهج الرئيسي لهذه النظريَّة هو التحليل الفلسفي للمجتمع والاقتصاد والسياسة والتاريخ؛ عن طريق تجنُّب أي ماديَّة في التفسير.

 

تُعتبر تقاليد مدرسة فرانكفورت لإصلاح أمراض حضارة القرن العشرين، ثورةً في الفكر العالمي وعِلم الاجتماع، وقد أكد هابرماس على دور الدِّين ونمو القيم الأخلاقيَّة في التنمية الاجتماعية، لكنَّه شدَّد على الأزمة في الأسس النظريَّة على الرَّغم من أنه كتب: "يتجوِّل مواطنو القرن العشرين في ظُلمة الضَّباب العالمي، ويعرفون شيئاً واحداً فقط، وأنَّ عصراً تاريخيَّاً يقترب من نهايته وهم لا يعرفون شيئاً أكثر من ذلك".

 

تمَّ تطبيق تفسير هابرماس للارتباك والتناقض على الأسس النظريَّة للفكر في الغرب، وقد أقرَّ بفشل الفلسفة السياسيَّة الغربيَّة في تحقيق التوازن بين الحريَّات القديمة والجديدة  في تحقيق التوازن بين الجمهوريَّة والليبراليَّة.

 

التناقض في الأسس النظريِّة للفلسفة السياسيَّة هو موضوع كتاب هابرماس عن العولمة،  حيث أنَّ النظريَّة النقدية تقترب من نظريَّة ابن خلدون النقديَّة، وذلك من خلال التأكيد على الاستخدام الأقصى للفلسفة لتحليل المجتمع والتاريخ، وقد توصَّل هابرماس إلى نظريَّة اتصالٍ مفادها: "أن على الفلسفةِ الآن تحليل الحداثة".

 

وفقًا لعلماء الاجتماع المعاصرين، وخاصَّة عُلماء الاجتماع الأمريكيين، ومدرسة فرانكفورت التي تتألَّف من فلاسفة وعلماء اجتماع القرن العشرين يحتمون عودة النظريَّة النقدية إلى تاريخ الحضارة، حيث أن النظريَّة النقديّة مهمّة لإنقاذ البشر من الأزمة الفكرية الحالية.

مقالات متعلقة في علوم اجتماعية